مقالات

الوعي الفائق: الإنسان بين الوجود الحقيقي والوجود الزائف

        على محك الحضور والغياب في الحياة؛ بين وجودٍ حي، ووجودٍ ميت؛ هذه بعضُ إثارات استفهامية معهودة في الحقل المعرفي والروحي والفلسفي والأخلاقي، أنثرها كمحفز للتأمل الروحي والعقلي، وللبحث في ذات الحقول والميادين؛ بهدف الإصغاء لسيرورة وجودنا في تفاصيِِل حيواتنا، وتقصي درس الحياة، وخبرة حكمة الوجود؛ خبرة تستشرفُ وعيًا فائـقًا في حضوره.

1- البصمة الروحية: نحو ذاكرة كونية

     “إذا عرف الإنسان كيف يتوجَّه توجُّهًا مختلفًا على خريطة عالمه الشخصي، وتقبَّل هذه الفكرة المذهلة والموجعة – فكرة أنه ليس مركز الكون – لتمكَّن من الآن فصاعدًا أن يجد فيه مكانه الصحيح”! (كما يقول الحكيم: عدين شتاينـزلتس). وهذه هي المفارقة الأولى.

      إن العيش بمجرد الرجوع إلى أشياء أو أهداف ثانوية أو تافهة يحوِّل وجودنا إلى سلسلة من “القواقع الفارغة” التي تعدم أي مغزى وتعرِّف بنا دومًا بالنسبة إلى ذات أخرى: أنا صديق فلان، أو أبوه، أو ابنه، أنا صاحب المنصب الفلاني، أنا الذي أملك كذا، أنا أنا أنا… أنا الذي يفكر على هذا النحو ويفعل على ذاك النحو – كل التعريفات والعناوين التي تحيل و”تقف” على الظاهر وما هي إلا قشور وهمية للخواء والغياب الوجودي.!

     فقط حين يكون الإنسان قادرًا على إعادة وصل باطنه بـ”المطلق” بالله، بوصفه الواقع الأول والفريد والأصلي، تُكتشف ذاتُه، والأصالة في ذاتِه، إذ تفقد نسبتَها إلى الأشياء فحسب.

    وهنا تقع المفارقة الثانية لـ “طلب الذات“: فقط حين يكفُّ المرء عن اعتبار نفسه مركز الأشياء، وذلك بقبوله أن يكون إسقاطًا لذات عليا ولانهائية، وعندها فقط يستطيع القول بكلِّ صدق: “أنا هـنا”!.

2- العَبرَمَناهجية: من الفكر إلى الفكر التركيبي:

     في سبيل تنمية إنسانية، ومستقبل أفضل للبشرية؛ يعمل كثيرٌ من المفكرين وفلاسفة العلم وعلماء التربية والاجتماع على تقديم معالم لمشروع معرفي وتربوي نتجاوز به الرؤية التجزيئية للعالم نحو “رؤية تكاملية” وهم يوجهون، في الوقت نفسه، سهامَ نقدهم إلى هندسات الإصلاح العاجزة والمتناسية للإنسان؛ كما يرون ضرورة توفُّر رؤية شمولية للمنظومة المعرفية والتربوية على السواء؛ لأن المعرفة تحتاج إلى إسهام تربوي حقيقي. وهم، في عملهم هذا، يسعون جاهدين لتبيين خطورة “النظرة التجزيئية” في قضايا التربية والتعليم. لذلك أصبح البحث في “بيـنياء العلوم ومفاهيمها” ضرورة تجعلنا بين حضور حي، وحضور ميت، تزداد هذه الضرورة بازدياد التفرعات والحقول العلمية والإنسانية في عصر الدقة الرقمية، والهندسة الجينية الوراثية.

3- أخلاقيات السعادة: ما وراء التملك والبهجة

    السعادة غاية قصوى موجهة لكل سلوك أو فعل إنساني. توصف بأنها الرضا التام بما تناله النفس من الخير. والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس بها تام. إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما. في حين أن” اللذة ” حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس بها مؤقت. لكننا هنا سنشير إلى تجليين من ضروب البحث عن السعادة لحضورهما الجلي في حيواتنا اليومية، ولغياب الوعي الفائق والمتجاوز لهما:

1-3 التملُّك

    يختلف الناس والفلاسفة على السواء في تمثلهم للسعادة. فعموم الناس يربطونها بالثروة والجاه و النفوذ وتحقيق المتعة في شتى أشكالها. وعموما يمكن القول أن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة الجسدية غالبا. أما الفلاسفة فهم أيضا يختلفون في تمثلهم للسعادة، فمنهم من يراها في علاقتها بالفضيلة والتأمل العقلي ومنهم(فلاسفة الإسلام) من حاول التوفيق بين التأمل العقلي وما هو ديني أي السعادة الأخروية، وهناك من يرى أن كل هذه التمثلات حسية و جزئية، أما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة كمفهوم مطلق نكون محتاجين إلى “كل مطلق”.

2-3 البهجة

    أتساءل يا ترى هل حوز المقتنيات كسلوك نقوم به، ونعلق الراحة النفسية لوجداننا على حوزه وامتلاكه، يعتبر تقنية رجائية “ملائمة دوما” لتحقيق السعادة والرضى بالخير؟ أم أنها “تصورات” قمنا بتعليق معنى للسعادة من خلالها ؟ وهل كل ما يبهج بالضرورة يكون تقنية رجائية “ملائمة” نحو السعادة أم لا؟ وبأي شكل تكون السعادة ممكنة ؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما السبيل إلى تحقيقها ؟ وعن هذين الإشكالين الرئيسيين تتفرع جملة من الإشكالات الفرعية: هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟ ما علاقة السعادة بالزمن ؟ هل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟ وما علاقتها بالفنون والذوق؟… كل هذه الاستفهامات تحفزنا للبحث في أخلاقيات السعادة، وتقنيات الرجاء اليومية.

_____

*تم نشر المقال في العدد الثاني من مجلة <مدى> الجزائرية، 2014

*مصدر صورة المقال: موقع www.unsplash.com

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (5 تقييمات, المعدّل: 4.00 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
قــُبـور الإبـــدَاع
فلسفة الحياة اليومية(4) كيف يُفسد الإنسان كوكب الأرض ؟
إيـديـولوجــيا العــبــث (1)
4 تعليقات
  • 29 سبتمبر، 2016 الساعة 4:55 مساءً
    رد

    جزاك الله كل خير استمر

    • أحمد الحمدي
      1 أكتوبر، 2016 الساعة 8:53 مساءً
      رد

      ممنون لكم لمروركم. اطلعت على موقعكم التثقيفي الجميل.

  • أحمد الحمدي
    29 مايو، 2015 الساعة 4:44 مساءً
    رد

    الحبيب الطبيب الأديب: عبد الرحمن؛ تواضع مرورك تاج على رأسي.

  • عبدالرحمن غنم
    28 مايو، 2015 الساعة 1:23 مساءً
    رد

    هذه المقالة مدرسة متكاملة ، و الحقيقة أنك مدرسة بل أمّة يا صاحب الحمدين

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني