مقالات

الإنـتاج الرمـزي

                                                                                الإنـتاج الرمـزي

“الـثقافة هي دراسة الـكمال| ماثيو أرنولد.

بات من المعلوم في الدراسات الثقافية موْضَعةُ الثقافة كمؤشر دَلالي تقاس به حركية حياة الإنسان فردا وجماعة، واعتبار هذه الدَّالة الوجودية “رأس المال الثقافي” –حسب بورديو-مُتعالقة ومتشارطة مع رأس المال الاقتصادي، ورأس المال اللغوي[1]، في الفضاء الاجتماعي، إضافة إلى رأس المال الأخلاقي والقيمي دينيا كان أو وضعيا. ذلك أن الواقع الاجتماعي بشكليه الثقافي والمادي هو منظومة من العلاقات غير المرئية[2]، وفضاءاته هي نفس تلك الفضاءات التي تؤسس فضاءً من المواقع الخارجية بالنسبة لبعضها البعض.

 عليه نفهم التداخل الموضوعي لكل نشاط إنساني، سواء أكان نشاطا ثقافيا ورمزيا أم اقتصاديا واجتماعيا في بِنية الوجود البشري. وبالتالي يصبح دور الوعي الذاتي في القيام بمهام راهنيته الزمكانية، وتقنيات الرجاء والأمل والمعنى التي يسعى خلالها في قلب الحاضر من سلوكه موضع تساؤل وتشارك وتداول مع الآخر ذو الرأسماليات المختلفة ثقافةً واقتصادًا واجتماعًا… الأمر الذي يؤدي إلى عملية إنتاج رمزية لا متناهية، تلبي احتياجات الإنسان الحاضر، وتحاول رؤية الغد بالخيال، وتعيد قراءة الماضي بصياغة الذاكرة.

القراءة باعتبارها “سوق للخيرات الرمزية[3]“:

في السير الآفاقي والأنفسي- بالمصطح القرآني العرفاني- يجب على الإنسان أن يحاول باستمرار أن يموقع إحداثيات وجوده ضمن فسحة حياته، وأن يتساءل باستمرار[4] (حول فكره الفردي والاجتماعي اللامُفكر فيه) وأن يقود ويمارس-من دون نرجسية- السوسيو-تحليل اللامتناهي والضروري بهدف أن يعي أكثر فأكثر تماما الدوافع الفردية البيولوجية والاجتماعية التي تخترقه، بما فيها التي تخترقه في نشاطه العلمي، وفي علاقته مع زملائه وأقرانه ومن حوله…، ومن ثم مع الأعمال الُمنتَجة من قبلهم، مثل أي فاعل اجتماعي، من أجل أن يحاول مراقبتها، وموضعة سياقه في كل ذلك، والقيام بمهامه التي يتغياها ويقصدها.

بالتالي فإن “فعل الـقراءة والتـثقيف” ضمن سياق الوجود الفردي والاجتماعي والبحث في شروط إمكان القراءة -بعيدا عن مقولات الطبقية الماركسية والبنيوية- يعني البحث في الشروط الفردية والاجتماعية التي تجعل المواقف التي يقرأ فيها المرء ممكنة وبالتالي تصبح “المدرسة-الجامعة-الجامع-وقت القراءة-نوادي القراءة…” ممكنةً تعقلا ومقاربة. ولماذا تحقق هذا الإمكان؟ لأن شرط الإمكان الفردي والاجتماعي تحقق[5]. وأحد أوهام فعل القراءة عند الذوات القارئة هو ذلك الوهم المتمثل في نسيان السياق الاجتماعي للفرد خاصة.

عوالم القراءة:

عوالم القراءة هي عوالم الثقافة عامة، إذ من خلال ربط الثقافة بـ”الفرد” فـ”المجتمع” و”الطبيعة” بعضها ببعض، ومن خلال دراسة “الثقافة” من ناحية مشكلة البِنية الاجتماعية، والفعل الاجتماعي، لم تعد الأفعال السوسيولوجية أسيرة الافتراض بأن لـ”الثقافة/-والقراءة بوصفها إحدى أدوات تحصيل الثقافة-” بحد ذاتها عالما خاصا بها، منفصلا عن السياق الاجتماعي والطبيعي، والفردي، ولا تؤثر فيه أفكار الأفراد وسلوكهم الفعلي[6].

القراءة كبُعد رمزي في الثقافة[7]:

السلوك الإنساني سلوك رمزي، لكن يجب التنبه إلى أن السلوك الإنساني ليس مجرد منبه، أو مثير واستجابه، إنما هو “عملية تـأويل للمُثير والاستجابة“. فنحن لا نتجاوب مباشرة مع أعمال الآخرين وأفعالهم، وإنما مع المعنى الذهني والشعوري الذي نُسبغه بأنفسنا على تلك الأعمال والأفعال عن طريق قراءة الرموز. فإن لم نتشارك إلى حد كبير في قراءة الرموز، فإنه سيتعذر علينا أن نعيش الحياة التي نعرفها، لأن التواصل سوف ينعدم[8] أو يتقلص كثيرا.

تؤدي الرموز-وبالتالي فعل القراءة- وظيفتين اثنتين، 1- الأولى هي وظيفة الاتصال، 2- والثانية هي وظيفة المشاركة، وهما يتساندان في أوجه الفعل الاجتماعي، فرمزية الاتصال/القراءة، تيسر المشاركة/التأويل وتساعد عليها، ورمزية المشاركة تقيم أنماطا عدة من الاتصال.

وبالتالي يمكننا القول أن فعل القراءة/الثقافة إذا لم يشتمل على “فـعل تـأويلي” فإنه سيكون فعلا ناقصا لإحدى مهام الاتصال الرمزية، أعني المشاركة.

القراءة كفعل ثقافي لتكامل النوع الإنساني[9]:

يَـعتبر الإنجليزي ماثيو أرنولد (Matthew Arnold –  1822- 1888 ) –وهو واحد من أشهر كُتَّاب الثقافة والحضارة –أن “الـثقافة هي دراسـة الـكَمال“. ومن شأن الثقافة أن تقودنا إلى تكامل متناسق بتطويرها لكل جوانب إنسانيتنا، ثم إلى كمال عام بتطويرها لكل أجزاء المجتمع ومفاعيله، والناس يصبحون مثقفين باتباعهم طريق الكمال بالتكامل. وفعل القراءة هنا هو المفتاح في كل ذلك. وبالتالي يكون سؤال طريق التكامل الثقافي مشروعا ضمن وحدة التشارك والتواصل في النوع الإنساني.

سؤال المنهج: التثقيف الذاتي نموذجا

  الأساس الهش للتكوين الثقافي بوصفه ظاهرة، لا يمكن تجاوزه بالأمنيات، أو بالشذرات، إنه يتطلب أول ما يتطلب ما يمكن تسميته بـ”أخلاقيات التثقيف الذاتي” من قبيل استنهاض الذات الدائم، والنفس الطويل، واللهفة لما هو أفضل، فضلا عن عشق المعرفة من حيث هي هي معرفة.

هناك أسلوبان في عملية البناء الثقافي الذاتي[10] يتغالبان كثيرا وينفردان كثيرا، ويجتمعان عند البعض، إلا أن الغلبة لأحدهما غالبة. الأول هو التكوين الارتجالي العشوائي، والثاني التكوين الثقافي المنهجي والعلمي والتراتبي. ولا حاجة لنا للوقوف عند التكوين العشوائي الشذراتي، فهو على طريقة ألف ليلة وليلة، لا يقف عند عُنوان مسألة أو حقل أو علم إلا انتقل إلى غيره دون تحقيق وتدقيق وتمحيص لما وقف عليه. إن من كانت هذه سيماه فإنه سينتهي به العمر خلو من الإبداع في أي موضوع، ولئن كان يعيش على سطوح المعارف وقشورها فلن ينفذ إلى أغوار معنى أو يحقق مبحثا من مباحث المعارف. والمشكل عند غالب ذوي الثقافة العشوائية غير التدرجية التراتيبة الموعبة الوهم بالامتلاء المعرفي رغم فقدانه!

أما الطريق العلمي المنهاجي التراتبي فإنه يتم بطريقين ويتوسل بمعْلمين: الطريق الأول الاستشارة المباشرة لذوي الاختصاص عن أمهات النصوص النوعية. والطريق الثاني بالرجوع لإحالات ذوي الاختصاص عبر المصادر والمراجع الشهيرة والمتفق على جودتها في كل فن وحقل. وتوسل التعامل مع كلا الطريقين بـ 1-التدرج التحصيلي2-والاستيعاب الشمولي للحقل: مقدماتٍ، فتاريخٌ، فإشكالات.

سؤال التخصص: بين الـعمودي والأفـقي

التخصص أحد نتائج الأسلوب المنهجي في التثقيف، بل بات التخصص حقيقة ماثلة لا يمكن تجاوزها، وعُرفا تربويا وقانونا دوليا. إلا أن سؤال التخصص بين القبول والرد لا إشكال فيه من حيث هو عند تغيير المنظور إليه، بين المناكفة في ثنائية التخصص واللاتخصص، بين التخصص المساوي للدقة، واللاتخصص المساوي للجهل. إن الأمر ليس كذلك. برأيي أن هناك نوعان من التخصص يمكن لهما أن يكشفا جوهر المشكل: الأول هو التخصص العمودي البؤري: يتجه إلى موضوع ما، إلى علم ما، وينحصر مِـجهريا فيه”يـجهل تداخل موضوعه مع ما هو قريب منه، ومتعالقٌ فيه، ومتفرعٌ عنه”. وهذا النمط من الاختصاص سلبي محدود-وإن أبدع أحيانا في جزئية ما-. والثاني هو التخصص الأفقي الشمولي: يتجه إلى موضوع ما، إلى علم ما، “ويُدرك المركز والأطراف لموضوعه، ثم يستوعب ما هو قريب منه، ومتعالقٌ فيه، ومتفرعٌ عنه”.. وهذا النمط من الاختصاص إيجابي مطلوب: تفرضه 1- سعة المعارف البشرية من جهة، 2-ومحدودية زمن الوجود الإنساني من جهة أخرى.

____________
*الإحالات:

[1] – بيير بورديو، وجان كلود باسرون، إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ترجمة: ماهر تريمش، المنظمة العربية للترجمة، ومركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2007، بيروت، ص190

[2] – بيير بورديو، بعبارة أخرى: محاولة باتجاه سوسولوجيا انعكاسية، ترجمة: أحمد حسان، ميرت للنشر والمعلومات، ط1، 2002، القاهرة، ص209 بتصرف.

[3] – ناتالي هينيش، سوسيولوجية الفن: مع ومن دون بورديو، مجلة العلوم الإنسانية، عدد خاص حول أعمال بيير بورديو 2002.

[4] – باتريك شامبان، السوسيولوجيا الانعكاسية لبيير بورديو، مجلة العلوم الإنسانية، عدد خاص حول أعمال بيير بورديو 2002.

[5] – بيير بورديو، بعبارة أخرى: محاولة باتجاه سوسولوجيا انعكاسية، ترجمة: أحمد حسان، ميرت للنشر والمعلومات، ط1، 2002، القاهرة، ص164 بتصرف.

[6] – ديفيدإنغلز، وجون هيوسون، مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة: لما نصير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2013، الدوحة، ص328-330 بتصرف.

[7] – عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكالات، من الحداثة إلى العولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2006، بيروت، ص171،  بتصرف.

[8] – روبرت نيسبت، وروبرت بيران، علم الاجتماع، ترجمة جريس خوري، بيروت، دار النضال، 1990، ص61، 62  بتصرف. عن عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة: المفاهيم والإشكالات، من الحداثة إلى العولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2006، بيروت، ص171،  بتصرف.

[9] – هارلمبس وهولبورن، سوسيولوجيا الثقافة والهوية، ترجمة حاتم حميد محسن، ط1، 2010، دمشق، ص40،  بتصرف.

[10] – عبد القادر الشيخلي، المنهجية العلمية في التثقيف الذاتي، سلسلة الموسوعة العراقية الصغيرة، رقم160، دائرة الشؤون الثقافية والنشر، بغداد، 1985، ص13-74بتصرف.

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (1 تقييمات, المعدّل: 4.00 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
فلسفة الحياة اليومية(6) عبء اللغة والخيال
قــُبـور الإبـــدَاع
الحرية هي المسؤولية

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني