مقالات

قــُبـور الإبـــدَاع

  • إشـراقة:

“الانـحـطَـاط لـيـسَ لـهُ قـاع!”.(أبو يعرب المرزوقي-فيلسوف عربي معاصر).

    من مقاييس الأمم والحضارات في تصاعدها وهبوطها معيار الحجم النوعي والحي لحضور مبدعيها؛ مبدعوها الذين يمثلون مصانع وقود روحها وبقائها في مسرح المسكونة، وما تُسلبُ أمةٌ شيئًا كما تسلبُ المبدعين فيها من حيثُ الفقر المفاهيمي والفكري الذي تذوي بدونه الأمم  والحضارات. وهنا تجلِّيات خمس تنمحي عندها آثار الإبداع، نرصدها في طريق الإبصار بمكامن القصور التي تـئدُ الإبداع والموهبة وتحيلها إلى قبور!:

1) الـجـهل:

البُلهاء والبُلداء يطحنون كلَّ موهبةٍ ومبدعٍ طحنا يحيلهما إلى مقبرة العدم؛ فلا يُرجى ممن تزملوا برداء الفقر المعرفي، وتدثروا بأوهام العقل أن يروا موهوبا في طريق البزوغ، ولا شاديا في طور التكوين فيعرفوه ويقدروه حق قدره. لا يمكن لمن لم يرَ خصائصَ المُبدع، وسيمياء الإبداع، وألوان المواهب، وطبائع العبقرية، أن يقترب من المبدع اقترابا يُنعشُ الإبداع ويصقله: ذلك أن الإبداع مركون قيامه في ذاتين:

(أ) إبداعٌ دفينٌ في ذاتِ صاحبه: فيلزمه نبطُه ومصاحبتُه وصقلُه، وقيادةُ دفته إلى محيط الخيرات.

(ب) أو يكونُ إبداعا في غيرها: فيلزمه -وفي كلا الحالين هو مسئول عن- استكناهه واستجلاء أفقهِ واتجاهه، وتدريبُ أربابه على قيادة دفته بأنفسهم إلى محيطاتهم التي يصبون إليها.. لا زلتُ أتذكر ذلك الطفل الموهوب عندما كتبتْ المدرَسة عنه تقريرا وقَّع عليه كل المعلمين الذين يدرِّسونه واتفقت كلمتهم عليه أنه”مشاكسٌ وفوضوي” فكتبتُ عنهُ في التقرير”أنه يتمتع بذكاء حركي ويحتاج إلى رعاية وتدريب يحقق حاجاته” فكانت الصدمة أن كل المعلمين لم يسمعوا يوما ما  بنمط من أنماط الذكاء والإبداع اسمه “الذكاء الحركي” يحتاج فيه صاحبه إلى تفريغ طاقته في الفنون الجسدية. أي أن هذا الشخص يتعلم من خلال “الممارسة والعمل” أكثر مما يتعلم من خلال الكلام !.

2) الـتهميش:

التهميش لا يُنتجُ إلا ذوات متفسخة، وكائنات باهتة.. لا تستطيع أن تكون ذاتها.. لا تستطيع أن تعيش فرادتـها.. لا تستطيع أن تتخذ قراراتها.. لا تستطيع أن تتنفس؛ لأنها لم تجد من يرعاها بعد أن أعلنت عن نفسها. لأن المطلوب منها أن تعيش في الـهامش أو في الـحاشية على أحسن تقدير!. قد نعلم بالإبداع وصاحبه ولكننا نهمشه من جهتين:

(أ‌)     تهميش للإبداع من قبل صاحبه: ويكون بإهماله، وعدم سقياه بماء حياته، والانشغال عنه بأهواء الدَّعة، ونوازع الطيش، وحماقات الاهتمامات، والتكاسل عن شكره…

(ب‌)   وتهميش للإبداع من قبل الآخر: بأن لا توفَّر له البيئة التي يشعر فيها بالانتماء، وتحقيق الذات، وإشباع النهم على المستوى المؤسساتي، والشك في قدرات المرء والاستهتار بها على مستوى جماعة الأصدقاء التي في الغالب تشكك في قدرات بعضها البعض، ويكون لها كبير الأثر سلبا على الإبداع. أليس ما نسميه بـ”هجرةِ العقول” هو شعور بالتهميش فآثر صاحبه أرضا لقيَ فيها ترحابا وفسحة وسَعة: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً…}]سورة النساء:4/آية:100[.إهمال الإبداع يبدأ عادة من إهمال السؤال والسائل  والتسآل… فالإبداع يحتاج إلى رعاية تكوينية تحرص على احتضان “فن السؤال” أكثر من حرصها في الحصول على الأجوبة في مؤسسات صناعة المعرفة والإعداد والتكوين التربوي.

3) الاسـتبداد:

الخوف لا ينمو معه سوى التعاسة. والمبدع مشرئب إلى الحرية التي هي ينبوع الإبداع الأكبر. لا مكان للإبداع في أجواء الرِّيبة؛ ولأن المبدع يجدف عكس الأمواج غالبا لا معها فإنه يثير حفيظة كل ثقافة تكرس “إبداع”الوسائل لإثبات الولاء للمجموع والأغلب إيجابا وسلبا… وعندما تلاحَق العقول المبدعة وتحاصر أجسادهم بقوانين لا تعترف “عمليا” بأفق الإبداع الإنساني يكون همها المحاكاة والاستنساخ. فالاستبداد بالإبداع له وجهان:

(أ‌)     استبداد داخلي: حيث يستبد المبدع بإبداعه! نعم، قد يستبد المبدع بإبداع ذاته؛ عندما يأكل ذاته، ويجلد موهبته، ويشك فيها شكا يمنع أثرها..

(ب‌)   واستبدادي خارجي: حيث يحاصرُ وهم الحقيقةِ بكل فنون السخرية المبدع وإبداعه؛ وتتضح علاقة الاستبداد الداخلي بالخارجي في هذا المثال: كان هناك رجل موهوب له ملكةُ في الأدب فعزم على كتابة نص روائي ومضت السنوات وهو لم يكتب منه سوى سطر واحد يقول فيه”كانت هناك فتاة جميلة تمتطي حصانا في الغابة” يُصحِّحُ في هذا السطر كلمةً ويؤخر أخرى ويضعُ فاصلةً ويزيل نقطة …إلخ؛ وما ذلك إلا لمتلازمةِ “عُقدةِ الكمال”، والشك في قدرات الذات التي يصاب بها أكثر المبدعين، هذا مع وجود من يرعاه ويشجعه فكيف بالإبداع في ظل من يستبد به ويقتله؟!. لكن يبقى الإبداع الذي ينبض بالحياة متمردا على كل”طبائع الاستبداد”.ومن أجمل الكلمات التي رأيتهافي مقدمات الكتب ما قاله الدكتور: علي عبد المعطي محمد في مقدمة ترجمته لكتاب:”مقدمة في علم الأخلاق، تأليف: وليام ليلى” ففي أولى صفحاته يقول:”اللهم قني شر أولئك الذين لا يعملون ويضيرهم أن يعمل الآخرون!”.

4) الانـحراف:

الإبداع ملكةٌ وقوة قد تذوي لكنها ما تلبث أن تخرج كحيةٍ من جحرها لادغة.. أومُميتة.. الإبداع ينحرف هنا باتجاهين:

(أ) انحراف شخصي: يستثمر هذه الموهبة وذلك الإبداع في دركات الشرور وسلب الذوات؛ أنظن أن عصابات المخدرات، وقطاع الطرقات، ومجموعات الاغتيالات معتوهو العقول ليست لهم ملكات إبداع انحرفت عن طريقها؟! فوجدت من يرعاها سوء رعاية! لأن سقف طموحاتها قد ترهَّل وأوشك على السقوط ثم سقط في دركات البؤس.

(ب) انحراف جماعي:

الشكل الذي يصير إليه انحراف الإبداع يأخذ بُعدا جماعيا هو الآخر؛ سيما مع مغذِّيات الانحراف العامة والأصيلة مثل: (1) غياب القدوات والنخب الفاعلة لا المنفعلة!(2) وتأثير جماعة الأصدقاء والأقران السلبيين(3)ووجود مغريات المال والشهرة الزائفين… .

5) الـجـفاف:

الإحباط هو الصورة الأخيرة في مشهد ذبول الإبداع والتي نشهدها شاخصة في مركزين:

(أ‌)     مركز جفاف الذوات: حيث أن المبدع وموهبته لم تعد ربيعا.. وجاء الربيع ولم نرَ اخضرارا.. فعرفنا أن البذور قد فسدت!.. أو لم تكن هناك بذور أصلا.. فتصحرت الذات…

(ب‌)   ومركز جفاف الحضارات: فحيثُ لا مبدع نراه فكيف نريد إبداعا نرعاه؟ وحيث نراه ونهمشه ونهشمه فكيف نحياه؟ وحيث نستبد به فكيف نشكو منه؟! وحيث نريده فكيف لا نصنعه؟!..▪

 

_____

 

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (2 تقييمات, المعدّل: 4.50 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
نقص في الشعـائـر؟ أم نقص في المشاعـر؟
إيـديـولوجــيا العــبــث (1)
في رحيل المسيري: أيقونة الدعوة لاستئناف الاجتهاد في تفسير الظواهر الإنسانية
2 تعليقان
  • 9 مايو، 2014 الساعة 11:06 مساءً
    رد

    الشكر لأابو يعرب لأنه قدم ذلك .. والشكر لك لأنك عرّفتنا بأبي يعرب

    • 10 مايو، 2014 الساعة 12:56 مساءً
      رد

      ممتن لك؛ فكلنا في دروب الحكمة نتواصى لإثراء الحياة.

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني