مقالات

فلسفة الحياة اليومية(2) أوهام النجاح (1) مقدمة

 

     لا يمكن فهم نـُظم التأثر والتأثير الحديثة والمعاصرة دون فهم السياق الحضاري الذي تتشكل من خلاله تلك النـُظم والنماذج التفسيرية والتوجيهية.  الإنسان يضل كائنا مُحايثا ومُقاربا ومُتحيزا… مهما رامَ ما يظنه عين الصواب وجوهر الأشياء وماهية الموضوع.
     في سياق «سيولة خطابات التنمية في الدولة الحديثة» يبرز خطاب التنمية الفردية والأسرية والإدارية كواحد من تجليات «أدبيات التنمية الشاملة» في مجتمعات رأسمالية-غالبا- مفرطة في الفردانية ومفرطة في الجمعية في آنٍ معا!
     لا تختلف هذه المقالة بشأن ضرورة رفع جودة الحياة، وضرورة التنمية بكل أشكالها وأبعادها فتلك مُسلمة أولية. ما تحاول فهمه ووصفه هذه السطور هو «البِنية العامة» التي ترتكز عليها إحدى أكثر الكلمات تداولا في عالمنا اليوم «النجاح».
     هناك أقنومان رئيسان ترتكز عليهما خطابات النجاح وجودة الحياة وأدبيات المساعدة الذاتية والتدعيم المعنوي والنفسي الجماهيرية اليوم في طريقها نحو تحقيق الفردوس الموعود «النجاح»؛ أولهما «إمكان التغيير الجذري» والانقلاب النفسي، + وثانيهما «الوعد بالعظمة» والفرادة الاستثنائية=> وعند تحقق التغيير والعظمة تتحقق النتيجة وهي «السعادة».
     أي أننا أمام معادة تنموية تأخذ الشكل الرياضي التالي: (تغيير + عظمة = سعادة).
     تحاول هذه المقالة وصف بعض «الآفات» العامة لأدبيات «الغلو والإفراط في مفهوم النجاح»، وستقوم المقالات الموالية بتفكيك أقانيم النجاح الثلاثة واحدا واحدا حتى تتضح المسألة في حدود وأبعاد متسقة في منظومة نقدية هدفها 1- البناء الواعي 2- والمراجعة الإثرائية.

(1) الآفة الأولى:
• توليد الرغبات
     كانت مجتمعات ما قبل السوق الرأسمالية -غالبا- تعيش ما يمكن وصفه «رغبة الضرورة»: أي أن الفرد فيها يستشف نواقص يومه واحتياجاته بمنطق الضرورة والملح والحاجي في تدبير المنزل والشارع والمتجر.
     الذي استجد في عالم ما بعد الثورة الصناعية الأولى، ويتجلى اليوم بصورة أفحش في عصر الثورة الصناعية الرابعة هو ما يمكن وصفه بـ«اختلاق الرغبة» وإقحام الخارجي على الذهن البشري، ويقول لك لسان حال العصر: أن ثمة شيء أنت تحتاجه ولكنك لا تعرفه! نحن كـ(شركات التسويق والإشهار… ) نعرف احتياجك أكثر منك! وكل ما عليك هو أن تمنحنا الثقة وتجرب منتجاتنا!
ما علاقة هذا السياق الحضاري بأوهام النجاح وموسم الهجرة إلى الفراديس الموعودة في خطابات النجاح والعظمة والسعادة؟
     المفارقة هنا أن المشكل لا يكمن في مجرد توليد الرغبة فحسب؛ المشكل هو أن الرغبة في ذلك الكائن المُتخيل«=النجاح» يرتبط شرطيا بـ«المتعة» التي يضل يطاردها الفرد في رغبات مُختلَقة، ما إن يذوي الشعور بالاستمتاع بها إلا وتُخلق له رغبة جديدة فيها متعة جديدة موعودة!
     هذه السلسلة الإشراطية بين ثنائية (الرغبة + والمتعة) تخلق فلسفة حياتية يعيش الإنسان فيها فيما يمكن وصفه بـ«الجحيم النفسي» والعذاب الجواني: ذلك أن سياقا حضاريا يدفع بالإنسان عبر خيارات متعددة تجعله شكاكا في خياره الحالي من جهة، وثقافة تنموية تدفع به نحو رغبات متخيلة مصحوبة بمتعة لا تنتهي الأمر الذي يكرس لعذابات مصطَنعة.
     لذا أن يضل الفرد حارسا لرغباته ومراقبا لها، ومتفحصا آلياته الدافعية نحو رغباته؛ يعتبر شرطا في استرداد ذاته المسروقة! وآخره الغائب!

(2) الآفة الثانية:
• ديمومة الشعور بالمفقود
     قرأت مرة لأحد أطباء النفس من تاريخنا الأخلاقي العربي مقولة جاءت عرضية في سياق وعظي عميق، شعرت بأن كنزا عثرت عليه حين مطالعتها؛  تقول تلك العبارة/الحكمة: “من قل قُنوعُه كَـثُرَ خُنوعُه“! (1)
     ليس معنى الحكمة الرضى بالدُّون، وهجران سياسة النفس، وذبول الإرادة في الخير والحق والحقيقة، بل الحكمة بلسم من أدواء الحياة-سيما حياتنا المعاصرة- التي تصطنع العبيد الجدد كل يوم؛ عبر سياسات الانشداه نحو المفقود، دون الاحتفاء بالموجود!
     سيكثر خنوعك وخضوعك إذا ما تولدت لديك الرغبات المُختلَقة وليست الحقيقية (=الآفة الأولى) في المفقودات المُصطَنعة (=الآفة الثانية).
     إن «النجاح» من المفترض أن يكون عملية مستمرة وكفاح دائب لا ينتظر الثمرة في الرغبة المُختلَقة والمتعة المتقلبة التي يجب أن تتحقق هنا والآن.
     أي أن ما يُفترض أن تحاكيه رحلة النجاح هو «القيمة الماورائية»، أي البُـعد الأخلاقي الكلي الذي يُضفي على مسيرة الإنسان المشروعية والخيرية بـ«العمل الصالح».
     لكن يا ترى ما مدى وفاء أدبيات النجاح بالبُـعد الأخلاقي والقيمي والكلي؟!  (=ستتطرق المقالات الموالية لنقد أخلاقيات أدبيات النجاح).

(3) الآفة الثالثة:
عقل بدون ذاكرة
     الإنسان كائن تاريخي في سيرورته وفي فلسفة صيرورته، أي أن عناصر التاريخ كائنة في تاريخه الوجداني وعالمه الداخلي فضلا عن تطوره الحيوي والوجودي والحضاري والاجتماعي والفني والجمالي والعمرانية والعلمي.
     فثمة تاريخ نفسي جمعي يكتسبه الفرد تربويا ومعيشيا؛ وكل محاولة لإزاحة ذلك التاريخ النفسي للفرد هي محاولة خطيرة تهدد نضجه الوجودي ويصبح كائنا بلا ذاكرة بشرية /فردية عبر تاريخ حضاري عام:
     ليست آفة اصطناع كائن بلا ذاكرة تعني الحصر النفسي والعيش في أسر التاريخ الماضي فرديا بعقده الفرويدية أو حضاريا بإشكالاته السياسية والاقتصادية والطبقية؛ بل معنى أن يعيش الفرد بدون ذاكرة هو أن: “النظام الرأسمالي في التاريخ البشري الحديث خلق نوعا من التفكير أطلق عليه اسم «التفكير الإيجابي» كمقابل للتفكير السالب«=الناقد»، فيكون بالتالي التفكير الإيجابي[عند الغوص في عمقه الفلسفي والافتراضي القبْلي]هو تفكير يرى في الوضع الراهن أفضل العوالم وأكملها، وهذا النوع من التفكير يؤسس لعقل بدون ذاكرة وخيال ونقد”. (2)
__________
إحالات:
(1) المنهاج الواضح، أحمد الماجري (ت 631 هـ -تقريبا- ) تحقيق: عبد السلام السعيدي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمملكة المغرب،  ط1، 1434هـ-2013م، (ج145/1).
(2) يُـنظر: مجتمع الشفافية، بيونغ تشول هان، ترجمة: بدر الدين مصطفى، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2019م.
__________
• مصدر صورة المقال : هـنا.

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (4 تقييمات, المعدّل: 3.75 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
فلسفة الحياة اليومية(1) اختيار المعارك
الشوق للماوراء في الكائن البشري
أيُّ مُسْتَقْبَلٍ لِلإسْلاَمِ فِيِ اسْتِبْعَادِ العُلُوُمِ النَّظَرِيَّة؟!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني