مقالات

فلسفة الحياة اليومية(3) ما معنى أن نكون بشرا ؟

     فتاة صغيرة من قبيلة «بدائية» في رواية: «كوكب العِلم والسلام» تقول لمصورة فوتوغرافية سائحة بين تلك القبيلة: “إنني أعرف كائنا حيا استطاع أن يقتل غريزته. فتتساءل المصورة الفوتوغرافية: من هو ذلك الكائن؟  وما هي الغريزة التي قتلها؟
     فتجيب الفتاة: إنه الإنسان؛ فقد استطاع أن يقتل غريزته؛ وهي غريزة الإنسانية.[1]
     تلك هي رسالة فيلم وثائقي تتعرض لأفكاره العامة ورسائله الأخلاقية هذه المقالة.
     يمكن الإشارة في البدء أن مشاهدة العروض المرئية ومنها (أفلام السينما) وتلقيها وتحليلها؛ يمكن اعتبارها تجربة حدْسية شديدة الذاتية شأنها شأن كل أشكال التفضيل الجمالي[2] وبالتالي يمكن القول أنه لا توجد قراءة نهائية للفيلم.
     رغم تلك الذاتية ثمة ما يمكن وصفه باللامُفكر فيه، والمُتخفِّي في نسق كل عمل فني، ومنه العمل الوثائقي رغم طبيعته الوقائعية المباشرة[3]، ذلك المتخفي قد يكون كشفا لتجربة مشتركة بين الأفراد والمجتمعات، قابلة للتأويل والتفسير المتعدد والمتنوع، ويمكن استلهام تلك التجربة في حل مشكل تقني ومجتمعي وأسري وعاطفي وسياسي وإداري واقتصادي.
     ثمة أعمال وثائقية مرئية «قليلة» هي من جنس العمل الكوني والمشتَرك البشري؛ لما تتضمنه من قضايا ومواضيع يمكن وصفها بالعالمية والكونية، لأنها تتناول الطبيعة البشرية العابرة للحضارات والأديان والثقافات والأعراق والأقاليم.
     يشتغل المخرج الوثائقي الفرنسي: يان أرثوس بيرتراند[4] Yann Arthus-Bertrand على هذا الجنس من الأعمال الوثائقية ذات الطبيعة الـ«الكونية» فقد أصدر عام 2009 م فيلما وثائقيا عن حياتنا على الأرض- «سنعرض له في المقالة القادمة»-، وفي عام 2015م أنتج هو وفريقه فيلم «الإنـسـان[5] Human »-الذي تتعرض له هذه المقالة- صدر بعدة لغات عالمية ومنها العربية[6].

     الفيلم سيحتار التحليل في تصنيفه مضمونيا لتعقد طبيعة الدلالات والإشارات التي يحيل إليها بطريقته مفتوحة الدلالة على حدس المشاهد، وفطنته الذاتية لأنه يتناول «الـ» «إنسان» بكل ما تعنيه معاني الاستغراق الدلالي للجنس الإنساني في عمومه وعالميته.
     الإنسان مقابل «الـ» «حياة» بكل ما تعنيه معاني الاستغراق الدلالي للحياة الإنسانية في عمومها وعالميتها.
     الحياة بوصفها دراما ومسرح وعاطفة ورعب وكوميديا، الحياة حسب فلسفة فيلم الإنسان هي جنس فني فوق كل الأجناس، الحياة هي الفن والميتافن في آن واحد، الحياة ذات طبائع فجائية ومثيرة وتجاوزية، يمكن اعتبار الحياة عرض مِيلودرامي[7] بامتياز.
     الفيلم الوثائقي «الإنسان» Human»( 2015م) » يحمل مفاهيم لأزمات عالمية الطابع، أزمات الإنسان الكبرى عبر التاريخ الثقافي والطبيعي والحضاري المعاصر بشكل مكثف، يلتقط أصواتا ووجوها من ستين 60 بلدا -بينها بلدان عربية- ويتضح للمشاهد من مكاشفات الأشخاص وأحاديثهم خلالها أن هناك إعدادا وأسئلة وحواريات دقيقة وذكية وعميقة تمت حين الالتقاء بتلك الوجوه من شتى البلدان: من الكونغو والهند وفلسطين والبرازيل وفرنسا وسوريا وإيطاليا وأوروجواي وبنغلاديش والسنغال وأثيوبيا… وغيرها.
     وبالتالي فلا غرابة أن يتم عرض فيلم الإنسان لأول مرة في قاعة «الجمعية العامة للأمم المتحدة» بحضور رئيسها حينئذ «بان كي مون[8]» Ban Ki-moon  نظرا للطبيعة العالمية لمشكلات البشرية المعاصرة التي ينقلها فيلم الإنسان في أدق أوجهها، وصدق تعابيرها، في دلالة واضحة بشأن الوضع البشري عامة.
     تمت مشاهدة الفيلم ثلاث مرات رغم طول مدته (3 ساعات) لاستنطاق بعض الرسائل القِيمية والأخلاقية من ثنايا شخوصه عديدة التنوع في تجارب الحياة اليومية.

           فيلم: «الإنسان» Human 

(1) الرسالة الأولى:
خطر تزييف القِيم
     ربما يكون مفهوم الحب أحد أكثر المفاهيم تشويها وتزييفا في عالم الصورة اليوم بفعل تعدد النماذج التي تتعرض له وتحاول اختطافه بدءا من الحياة الرومانسية التي تقدمها قصائد الحالِمين الرومانسيين قديما، وانتهاء بالدراما المعاصرة التي تخلق أنماطا من الحياة الاجتماعية مُسرفة في التضليل ومخادعة في واقعيتها من خلال تصوير حياة مثالية يعرف الحدس اليسير لا واقعيتها.
     لكن أشكال التزييف لمفهوم الحب تختلف درجاتها، ولعل تجربة أول وجوه فيلم الإنسان تُعتبر صرخة قيمية وتربوية وأخلاقية بشأن تزييف مفهوم الحب: كيف لإنسان يقسو على إنسان؛ ويقول له: أنني أقسو عليك بدافع الحب!
     الحب والقسوة من حيث الجوهر لا يجتمعان؛ ومحاولات عقلنة العلاقة بينهما تضل هشة أو مفتقرة للبناء المُتعقل الأخلاقي.

(2) الرسالة الثانية:
كسر حلقة الانتقام
     كل هدر لكرامة الإنسان سيما إذا كان الهدر يمس وجود الكائن عبر محو وجوده بالقتل مثلا؛ لا يولِّد إلا حزمة من الطموحات البركانية في داخل الذات المهدورة والمقهورة[9] فكل حقنة من الألم تتبعها صرخة من الإنذار الآني، لكن الخطر الحقيقي يكمن في آليات الكبت التي تتراكم فيها المشاعر المقهورة، وتتدخل معها قوة الخيال برسم صورة لرغبات الانتقام وسيناريوهات الثأر واسترداد الذات المسلوبة.
     ثمة قصص كثيرة تعرض لها فيلم الإنسان تنحو في سياق رغبة الذات المهدورة استرداد حقها في الوجود الكريم. لكن ماذا عن قوة التسامح والصفح والغفران في استرداد الذات: يقف رجل فقد ابنه في عملية قتل متعمد؛ بعد تأمله في آثار دخوله منطق الثأر والانتقام فيما لو دخله يقول: “قررت كسر حلقة الانتقام لأنها سلسلة وحلقة لا تنتهي! ثم ماذا بعد الانتقام والانتقام المضاد”؟!

(3) الرسالة الثالثة:
السعادة انتباه
     في الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور ثمة فقير ومشرد ينتظر حاوية النفايات القادمة بترقب ولهفة!  لعل فيها ما يصلح للاقتناء والبيع. في الوقت الذي تُبنى فيه المسابح في كل طابق من المباني الشاهقة؛ ثمة عامل فقير قادم من قريته قبل الفجر ليبني ذلك المسبح! لعله بنهاية اليوم يعود وفي يده زنبيل فيه خبز وبصل… لأطفاله الذين تنتظر بطونهم ما يسكتها! وتلك هي سعادتهم وغاية مبتغاهم.
     ثمة امرأة تفلح الأرض، والسعادة عندها هي أن ترى الغيوم تقترب والسماء تمطر.
     ثمة فقيرة تعتبر السعادة هي يوم تبييض دجاجاتها لتذهب بالبيض إلى سوق القرية لتبيعها.
     ثمة سعادة أخرى يراها البعض: أن تستيقظ وتجد كل من تعرفهم بخير وصحة.
     رغم أن كل من يحققون رغباتهم هنا يعتبرون تلك اللحظة «لحظة سعادة»؛ إلا أنها تبقى «لحظة» عابرة وليست «حالة» غالبة.
     وبالتالي السعادة -بهذا المعنى- تدل على أنها ليست شيئا تسعى إليه وتستملكه بشكل مؤقت لحظي؛ بقدر ما هي شأن وحال يعيشه الإنسان ويحياه في ما وراء تفاصيل الحياة اليومية.

(4) الرسالة الرابعة:
المعنى اِستبصار
     ثمة أثرياء كان الثراء شؤما عليهم، يبحثون عن السعادة في الطمأنينة ولا يجدوها بثرائهم، فالجحيم النفسي لا يعوضه شيء سوى المعنى النبيل والمتجاوز والعمل الصالح.
     أن يكون الإنسان ذلك الكائن المتفرد في روحه وعقله خادما للشركات العابرة للقارات فقط، ولعبة بيد مُلاك المصانع الذين يستعبدون الأيدي العاملة بهيئة موغلة في الاستعباد القسري؛ كل ذلك يعني أن يفقد الإنسان المعنى من وجوده الإنساني.
     استغلال القوي للفقير موجود عبر تاريخ البشرية؛ الجديد في إنسان العصر الصناعي هو آليات الاستعباد الحديثة، وتقنين الاستعباد، وخلق المشروعية والمقبولية لأنماط من السَّحق الأخلاقي للضعيف.
     ماذا يعني أن تسلط كل أنظمة الرقابة والهيمنة على العامل الضعيف(=المهدور والمقهور) ضمن أوساط عمل لا تعترف بوجودك إلا بالأرقام التي تنتجها في اليوم عبر خدع وألاعيب مقاييس الأداء الرقمي والإحصاء الرياضي. الإنسان الحديث يتجه تدريجيا من كونه إنسانا إلى صيرورته مجرد رقم وحسب! وبالتالي كل الأبعاد الأخلاقية تبتعد وتنزاح على حساب ثقافة الإنتاج والاستهلاك الحديثة التي تدخل في كل أنماط الحياة اليومية في الأسرة والعمل والشارع والعلاقات. وبالتالي يبزغ سؤال: ما معنى وجودك بوصفك إنسانا؟!

(5) الرسالة الخامسة:
شؤم العنصرية
      لا أحد يحب أن لا يُعترف بوجوده، لكن أن يتم إقصاؤك بناء على لون بشرتك، أو انتمائك العِرقي… فذلك قَدَرٌ لا حيلة للبراءة الإنسانية تجاهه. إن الوجه المتوحش من الـ«أنانية» البشرية يهدد المستقبل الأرضي عامة.
     يضل الكائن البشري معتقدا بالفرادة الذاتية غير المكتسبة والاصطفاء النوعي بغريزة التمايز التي يسعى وراءها حتى في أوْج رغبته في الانمحاء في الجمهور ورغبات الساعة وموضات العصر.
     عجيب هذا الكائن يبحث عن الفرادة والتمايز في الوقت التي يلهث فيه مع رغبات الجموع البشرية والحشود الاستهلاكية. ويمارس كل نزوات العنصرية وأشكالها في مقتنياته وتفضيلاته اليومية كما يمارسها العنصري العِرقي والسياسي.

**********
* إحــالات:

[1]  رمضان مسعود، ببلومانيا للنشر والتوزيع‎، القاهرة- مصر، 2018 م، ص59.
[2]  يـُنظر: شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي: دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، منشورات سلسلة عالم المعرفة، دولة الكويت.
[3]  يـُنظر: جاك أومون وآخرون، جماليات الفيلم، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث « كلمة »، ترجمة: ماهر تريمش، 2011م.
[4]  يـُنظر:  https://en.m.wikipedia.org/wiki/Yann_Arthus-Bertrand(تاريخ الاسترجاع: 19 يونيو 2020 م).
[5]  يـُنظر: https://en.m.wikipedia.org/wiki/Human_(2015_film) وصفحة الفيلم الرسمية في اليوتيوب: https://www.youtube.com/channel/UCimPA4Lct3e8ZpD46IaBoNw (تاريخ الاسترجاع: 19 يونيو 2020 م).
[6]  يـُنظر: https://youtu.be/u-_QTBbe84c (تاريخ الاسترجاع: 19 يونيو 2020 م).
[7]  مِيلُودْراما: نوعٌ من أنواع المسرحيّات تميل إلى تكثيف المشاعر والمبالغة والاعتماد على الصُّدف. (معجم اللغة العربية المعاصرة).
[8]  بان كي مون: https://en.m.wikipedia.org/wiki/Ban_Ki-moon  (تاريخ الاسترجاع: 19 يونيو 2020 م).
[9]  يـُنظر: مصطفى حجازي، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية. المركز الثقافي العربي، 2013م، بيروت-لبنان.
*********
*مصدر صورة المقال: الغلاف الرسمي للفيلم (هنا).

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (3 تقييمات, المعدّل: 3.00 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
نقص في الشعـائـر؟ أم نقص في المشاعـر؟
فلسفة الحياة اليومية(5) أوهام النجاح(2) مـا وراء الـذَّات
فلسفة الحياة اليومية(2) أوهام النجاح (1) مقدمة

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني