مقالات

فلسفة الحياة اليومية(4) كيف يُفسد الإنسان كوكب الأرض ؟

     إن التفكير البيئي ليس ترفا ثقافيا كما قد يُظن، إنما هو شعور أخلاقي، ومسألة قِيمية، تؤسَّس على مبدأ الشراكة الكونية بين الكائنات. لأن ما يحدث في أقصى الكوكب ليس بعيدا عن أقصاه المقابل. أي أن الكائن لم يعد تأثير سلوكه الفردي حبيس دائرة ضيقة في محيطه البيئي. وبالتالي فإن المقاربات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية في التفكير الإيكولوجي/البيئي شأن كوكبي جاد وحقيقي.
    يمكن اعتبار استنزاف الموارد الطبيعية resource depletion [1] واحدة من أخطر المشكلات التي تهدد بِـنية الكوكب الأرضي عامة، بما فيه الوجود الحيوي للكائنات والوجود البشري.
    مستقبل العنصر البشري يمكن اعتباره مرتهن بما تكسبه يد الإنسان، إذا ما استثنينا الكوارث التي قد تحصل بفعل الاصطدام الكوكبي الخارجي -مثلا- عن فعل الإنسان.  لكن ما الذي يدفع المهتمين بمستقبل الكوكب للقلق بخصوصه؟
    ما تحاول المقالة الإشارة إليه وإضاءته هو البُعد الأخلاقي لمسألة إفساد الإنسان للأرض؛ بدءا بإفساد السلاسل الغذائية، حتى حموضة المحيطات،… فمنذ الثورة الصناعية والبشرية تتعامل مع موارد الطبيعة بطريقة استنزافية تُنهك الأرض، اتخذت خلالها استراتيجيات الاستهلاك الأرضي مستويات تصاعدية من حيث كثافة وسرعة الاستنزاف. بلغت سرعة الاستنزاف الذروة في الثورة الصناعية النفطية، واللحظة التاريخية للبشرية اليوم هي حصاد تطورات الثورات الصناعية.
   يُحدَّد العام 1950م كحقبة جديدة من التاريخ الكبير للكوكب الأرضي؛ تسمى هذه الحقبة بـ حقبة الـ أنثروبوسين وتعرف اختصارا بـ (WGA): Anthropocene[2]  :”وهي حقبة جيولوجية تتميز بالتأثيرات التي أحدثها البشر على الكوكب، عصر النمو السكاني الكبير، والمواد البلاستيكية غير القابلة لإعادة الاستخدام، عصر اختبارات القنابل النووية: فعملية تفجير ترينيتي النووية في نيوميكسيكو عام 1945م، تركت آثارًا عالميةً من النشاط الإشعاعي -بالإضافة لاختبارات نووية لاحقة- والتي يمكن تعقبها حتى بعد 10.000 عامٍ من الآن[3]“.
    الفيلم الوثائقي: بيتنا [4](HOME) (2009 م) للمخرج الفرنسي: يان أرثوس بيرتراند Yann Arthus-Bertrand[5]  كفيل بإعطاء صورة بليغة عن معاناة الأرض، والمستقبل المقلق لسكان الكوكب من كل الكائنات والثروات الأرضية.
    ويكفي أن تشير المقالة إلى قانونين من أهم قوانين انتظام سلسلة الحياة التي يهددها السلوك البشري اللاحكيم واللاأخلاقي، فكلما اختلت قوانين انتظام سلسلة الحياة، زادت احتمالية انهيار منظومتنا الوجودية عامة على ظهر هذا الكوكب الجميل الذي هو “بيتنا” جميعا. ونشير كذلك إلى حِكمتين يمكن التفكير فيهما جماعيا وفرديا.
                                                                   [ فيلم بيتنا Home]

سلسلة الحياة
(1) قانون التوازن
    باتت الأرض مُثقلة بمناجِل الكائن الذي يطور يوما فيوما معاول استنزاف للمعادن الثمينة، والغاز، والذهب، والذهب السائل الأسود(=النفط) فضلا عن إزاحة الغابات وخيرات البحار التي تحقق التوازن البيئي ليس فقط لطبقات الصفائح التكـتونية[6] Plate tectonics لقارات العالم؛ بل لتوازن وجود الكائنات وتوزيعها الجغرافي.
    ما الذي يعنيه أن يوجد في بلد كـ نيجيريا أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية متزامنًا مع وجود نصف السكان يعيش تحت خط الفقر؟! إنه خلل أخلاقي قيمي أصالة ثم خلل اقتصادي/بيئي أدى إلى خلل توازن سلوكي في العقل البشري عامة، يتجلى الخلل في هذا البلد أو ذاك.
    ما الذي يعنيه أن يعيش 20% في ذروة الاستمتاع بخيرات الأرض في لحظة تاريخية ما، في ذات الوقت الذي يعيش 80% من سكان الكوكب على نثريات الـ20% من نخبة المال والأعمال؟!

       [بركان شيڤولوتش :Shiveluch ]
(صورة من القمر الصناعي الأمريكي لاندسات 8 الخاص بالمسوح الجيولوجية)(المصدر[7])

(2) قانون الترابط

     دورة الحياة دورة علائقية: كل شيء مرتبط بكل شيء[8]! فالحشرات تقوم بتلقيح الأزهار للإثمار؛ حشرات أخرى تأتي للاستغذاء من عملية الإثمار، ثم فضلات الحشرات والطيور المستغذية على تلك الأزهار والأثمار ستكون غذاء لديدان الأرض وزواحفه، ولجذور الأشجار، يلتهم الحيوان تلك الأشجار فتتحلل عناصر كل العمليات السابقة من الزهور والحشرات والطيور في جسم الكائن، وتدخل في بنيته الحيوية في دورة ترابطية مستمرة.
    بهذا المثال لك أن تتصور شدة ترابطية الكائنات في الكوكب. في حياتك اليومية حينما تقبض على حبة البطاطس في متجر الفاكهة والخضروات قرب مسكنك: تأمل في سلسلة الحياة التي قدمت منها تلك الثمرة، تأمل في المساحات التي استُنبتت عليها، والمبيدات التي استُخدمت فيها، وقبل كل ذلك تفكر في حال الإنسان الذي استزرعها، قد يكون إنسانا سلبت منه عجلة الإنتاج الرأسمالي كل إنسانيته من أجل أن تصلك تلك الثمرة قرب بيتك! لكن هو وعائلته قد لا يجد حبة البطاطس التي تنعم بطعمها في أقصى عواصم الكوكب.

دعوة للحكمة:
    إن العالم كله مدعو للحكمة، جماعات وأفراد مدعوون لما يمكن تسميته بـ«انتصارات الحكمة»، مهما كانت تلك الانتصارات صغيرة.

(3) انتصارات الحكمة الكبيرة:
     لعل واحدة من أكبر المشكلات المنهجية الحاصلة في منظومة العصر الفكرية: «المنظومة الرأسمالية» هي انفصال علم الاقتصاد عن علم الحياة؛ لا بل انفصال الاقتصاديات عن الأخلاقيات، -وللاستفصال في هذه القضية مقام آخر يطول-.
    صفوة القول أن البشرية مدعوة اليوم لما أسماه باحث الأخلاق البيئية: «جان ماري بيلت» بـ «عودة الوِفَاق بين الإنسان والبيئة»[9]
    مصادر الطاقة المتجددةً كـ الشمس، والأمواج، ومصبات الأنهار، مزارع الطاقة الهوائية، والطاقة الشمسية… بدائل يمكن التفكير في تطوير سبل استخدامها للحفاظ على حاضر الكوكب ومستقبله. وثمة ومضات بشرية في هذا الطريق تقوم بها بعض الدول لكنها لا زالت محاولات في طريق النمو والتبرعم والتطوير.
    من المهم أيضا عولمة الثقافة البيئية وفلسفتها، وتشريع القوانين البيئية العالمية، ومراقبة تنفيذها.
     يمكن اعتبار منظور الحكمة علاجا حضاريا لأخطار الكوكب وذلك لأن الحكمة هنا: أول ما تعنيه أن يرحم الكائن البشري ذاته؛ بأن يراجع أنانيته المالية، ونزعاته الامتلاكية اللانهائية، وقسوته على الكائنات الأرضية، والخيرات الطبيعية… الرحمة منظور قِيَمي حكيم يتمظهر في السلوك الحكيم الناتج عن التفكير الحكيم الذي يحتاجه إنسان الأرض من أجله وأجل رفقاء البيت الأرضي من كل الكائنات والثروات.

(4) انتصارات الحِكمة الصغيرة:
    الوعي -ومنه الوعي البيئي- يتناغم ويتساوق فيه الوعي الأخلاقي الكوكبي العالمي مع الوعي والنشاط الذاتي والفردي، تماما كتناغم دورة الحياة الطبيعية في صيرورتها، عبر «انتصارات الحكمة الصغيرة واليومية»: تفكرًا في سلوكنا البيئي اليومي، وتأملا فيما يمكن القيام به من أجل عالم أفضل.
    إن الموقف الأخلاقي البيئي يقتضي -كما يقول الناشط البيئي: بيير رباحي- أن”أفعلُ ما بوسعي، وأضع عملي بالتوافق مع إيماني العميق-وبالتأكيد، في النهاية، قد أكون قد فشلت-، ولكن لن يتم تدميرُ اتساقِي. إنّ وضعَ الوعي في تناغمٍ مع الحياة هو نصرٌ صغير، لكنّه نصر على أيّة حال“![10]
*****
*إحالات:

(*) فيلم (Home بيتنا):  (  https://youtu.be/E9-k7wtS3bg ) (ت.م: 26/6/2020).

[1]  يـُنظر: https://www.vocabulary.com/dictionary/depletion (تاريخ الاسترجاع: 26/6/2020).

[2]  يُـنظر حول حقبة الـ أنثروبوسين وتعرف اختصارا بـ (WGA): Anthropocene

https://theconversation.com/an-official-welcome-to-the-anthropocene-epoch-but-who-gets-to-decide-its-here-57113(ت.م: 26/6/2020).

[3] يـُنظر: وكالة ناسا العربية. بتاريخ: (21/12/2019). https://nasainarabic.net/main/articles/view/an-official-welcome-to-the-anthropocene-epoch-but-who-gets-to-decide-its-here

= المصدر الأصلي: https://theconversation.com/an-official-welcome-to-the-anthropocene-epoch-but-who-gets-to-decide-its-here-57113(ت.م: 26/6/2020).

[4]  التعريف بفيلم (Home بيتنا) في: (ويكيبيديا) (ت.م: 26/6/2020). 

= التعريف بالفيلم في بوابة: (IMDB) : https://www.imdb.com/title/tt1014762/ (ت.م: 26/6/2020).

[5]  يـُنظر: https://en.m.wikipedia.org/wiki/Yann_Arthus-Bertrand (ت.م: 19 يونيو 2020 م).

[6]  يـُنظر حول الصفائح التكـتونية: (موسوعة المعرفة). (ت.م: 26/6/2020).

[7] بركان شيڤولوتش:Shiveluch   https://earthobservatory.nasa.gov/images/91568/plumes-over-the-kamchatka-peninsula (ت.م: 26/6/2020).

(=) ناسا بالعربي، بتاريخ: (12/03/2018)، https://nasainarabic.net/main/albums/image/shiveluch  (ت.م: 26/6/2020).

[8]  يـُنظر كتاب: ( Les Langages Secrets de La Nature: by Jean-Marie Pelt )

https://www.goodreads.com/book/show/9801049-les-langages-secrets-de-la-nature

[9]  يـُنظر كتاب: عودة الوفاق بين الإنسان والبيئة، ترجمة: السيد محمد عثمان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1994م.

[10]  من مبادئ مؤسسة كوليبريس البيئية (colibris)، من حوار مع «بيير رباحي» في موقع: (حفريات) ترجمة: مدني قصري. بتاريخ: (07/01/2019).(ت.م: 26/6/2020).

*** مصدر صورة االمقال: الغلاف الرسمي للفيلم (هنا) 
***   (Source image of the article (Here  

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (2 تقييمات, المعدّل: 5.00 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
الجماهير.. والمثقف.. وقداسة السؤال
فلسفة الحياة اليومية(5) أوهام النجاح(2) مـا وراء الـذَّات
العنصرية التلمودية

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني