مقالات

الجماهير.. والمثقف.. وقداسة السؤال

[بصيغة PDF هنا]

        ·ومـضة:

       ” إن كل من يعتبر نفسه سيدا للآخرين هو عبد…! الـحر فقط هو الذي يريد أن يجعل كل الذين حوله أحـرارا ” !. (فـشتـه  Fichte-1762-1814).

        هذه إيماضات سريعة حول: عوائق في طريق التعليل التـثويري، وبوائق في طريق التحليل التـنويري، يبقى خلالها دخول العارف بالمرض،  من باب الـمُستفْهِم والـمُفْهِم لأصل العَرَضْ، استجابة للضمير وللأمر الرباني بفعل التواصي بشكليه: التواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ و{ إن في ذلك لَذِكْرَىَ لِمَن كَانَ لهُ قَلْبٌ أو ألقىَ السمْعَ وُهُوَ شَهِيِد !!}( ق : 37).

1-1 إقَـالةُ الـجَماهِيـر:

     احـترتُ في لفظة “الإقَالَة” أأضعُها بصيغةِ المفعولِ به؟ أم بصيغةِ الفاعِل؟ “أُقِيلَ” أم “استقالَ”؟ ذلك أن منشأ الـحَيْرة نابعٌ من سؤال معرفي صورته: من المسئول عن “فعل القيلولة” هذا في ذات السواد الأعظم من شعوب العرب والمسلمين.. وكيف يكون الفعل الموجب في مسرح الوجود الكوني؟ طبعا الجواب عن السؤال ليس حَدِيَّ الاتجاه إما هذا الطرف أو ذاك هو المسئول أو هذه الكيفية أو تلك؛ فمن المعلوم أن الذي يشكل الظواهريات الاجتماعية أنساقٌ بنائية متعددة، وليس لـ”ـلإنسان بُعدٌ واحد!” فحسب. ثم إن سؤال (من؟) المفترض أن يسبقه سؤال (كيف؟) لنتجاوز الشخص إلى التشخيص والتمظهر إلى الظاهرة…

             ما أردتُ توصيفه هنا هو التنبيه إلى أن دور النُّخَبْ في حدود علمهم وعملهم يشبه دور عُضوٍ رئيس في جسدٍ كوني له أنشطة تُشكل في غايتها صورةَ فعلِه في ذاته وفعلُه في غيره. هذه الصورة تتشكل بلون الحضارة التي تحضن ذلك الجسد؛ لذا كانت مقولة ” المثقف العضوي، إشارة إلى الوحدة العضوية بين الجمهور وأهل الفكر”- والتي كان الفيلسوف الإيطالي المعروف أنطونيو كرامشي، كمثقف حركي وكزعيم ومؤسس للحزب الشيوعي الإيطالي، من مبلوريها الأوائل-.

            ربما طمحت ذوات محظوظة في حضارة مـا، لاستلهام صورةِ حضارةٍ كونية، ذاتِ أبعاد قِيميَّة عابرة للمدى القصير والمباشر؛ وعندئذ يحق لنا أن نتساءل عن دور النخب الفكرية والثقافية كعضوٍ رئيس في جسد نفيس: العضو –وإن كان مُهمًا-ليس من مهامه القيام بوظيفة كل الأعضاء_”إلا إذا كان القلب: مع الوعي بـ أن القلب للأمة هو مجموع قِيمِهَا وطُرق قِيَامِهاالحي”!_ وفي الحصائل النهائية يبقى عضوا له أدواره في حدود استطاعته لكي ينجو من أسر الوصاية على الأعضاء الأخرى!  فضلا عن أن يعطل دور ذاته عن فعلها الأساسي.

            علاقة<النخبة الوِصائية> وهي التي لا تستهدف دور الانبعاث وبث الحياة وإثراء الوجود… في عملها مع هدير البشر؛ سواء أكان هذا البشر هو الموازي لها من النخب، أو المستقبل منها من الأتباع أو المهتمين، تشبه في الحالة العربية والإسلامية-عامةً- علاقة العضو الذي فقد وظيفة ذاتهِ وهو يلاحقُ الآخرين في أدوارهم الوظيفية ليفقد كلاهما وظيفته ليبقى عالة على الغير! إلا أن حراك الجماهير العربية والإسلامية المشهودة في ثوراتها الحالية-رغم كل عيوب هذه الثورات وآفاتها- ينم عن إرادة تناهز قدرات هذه الشعوب لذاتها.. وتحديات عصرها.. ليكون لها حضور في مسرح المعمورة.. وإن كانت هذه الثورات في صورتها الأولية ثورات سياسية الشكل أو المضمون وذلك أمر طبيعي إذا ما نظرنا إلى سياقاتها المجتمعية وطبيعة إدارتها تاريخيا. فالصورة المستقبلية لهذه الشعوب عقب هذه الثورات ستكون تشكيلا مغايرًا لمستقبل مختلف تماما. انحدارا متدحرجا أو ازدهارا متدرجا.

            وسيشعر قريبا معاشر الشباب الطامح والصاعد إلى الحياة العامة من أبناء هذه المجتمعات؛ أنه يجب أن يؤسَّس لأدوار جديدة ووظائف تعقلاتية أكثر إحاطة بمحيطها، المطلوب منها بناؤه وتطويره: حتى لا يستقيل عن مهمته التاريخية كشباب مؤمن بعمق ذاته الحضارية وغور “نقطة استناده الإيماني” في التجربة الإنسانية حتى لا يتم بالتالي تكريس دوره قسرا لـ”إقالةِ الجماهير” وإقالةُ “مقيلي الجماهير” عن وظائفهم الوجودية وفقدان فاعليتهم الحضارية فينقطع البث والاستقبال!.

          والمهمة الأولى في الدور الفاعل للكوادر الواعدة يكون عبر:

1-              التشبع بنور الوعي وآفاق المعارف ذاتـيا

2-               و بالـتـمثـُّـل السلوكي المعرفي: عبر سلطة العضو على ذاته بعين البصيرة في ضمير يقظ

3-              وباستشراف فتح مسارب العمل الحيالذي يُهندس صياغة عوالم واقعه بفض بكارة سنن الأشياءوسياقاتها.

         إن الوعي الحي الإيجابي جسر واصل بين الأعضاء؛ فليس للوصائية على فضاء كوني-أصبح من العسير الانقضاض عليه- فائدة! لذا فإن السؤال الذاتي والجمعي/المؤسساتي المستمر، والبحث الذاتي الجاد والخالص يساهمان في تحقيق شروط الحياة الفاعلة فكرا وعملا نحو التكامل الإنساني من أجل سعادة الإنسان واستقلاله.

1-2 الحَـفْرُ فِـي المـََاء: الـمُـثقف بين الغِياب والغيـبُوبة:

 ·ومـضة:

      ” سِيَاسَةُ الـخَلْقِ بالسَّلْطَنَةِ ليسَ من عِلمِ الدِّينِ فِي الدرَجَةِ الأولى! بل هُو مُعِيِنٌ على ما لا يَتِم الديِن إلا بِهِ!!”.   أبو حامد الغزَّالي(505هـ الإحياء”1/23″).

           النظرة الأوَّلية لحوارات بعض نخب العصر تكشف عن إمكانية وجود قياس منطقي -بين قديمها وحديثها- لوجود أوجه التشابه المضموني في طبيعة تناول المشكل -اللهم إن العُدَّة المعرفية عند الأوائل كانت أكثر متانة وبمستوى عصرها، أما هندامات وشكليات عدة الأواخر فإنها ليست بمستوى عدة عصرها ولا بمستوى عُدَّة العصر الذي تزعم تجاوزه! غالباً- في الحالة العربية والإسلامية اليوم؛ لأن الدخول الجزئي في ظرفِيَّات اجتماعية، يتطلب السعي نحو الولوج الكلي لكيفيات تفسير الظاهرات الإنسانية الكبرى، والنقاش الجزئي في عَينيَّات دينية يتطلب شروط إمكانها، ودَلالاتِ امتناعها. فإذا لم تكن العلاقة محكومة حسب المنطق الميرولوجي–“أي:تجانس العلاقة بين الكل والجزء/ حسب مواضعات:شنيفسكي1939م”—أي: بالولوج المتسائل لما لديَّ بنفس درجة المتسائل لما لدى الآخر فإن الهُراء في الهواء هو صدى صوت الأنا المتعالية على كل تساءل!.

         إن الحلقة الهيرمنيوطيقية – حسب صياغة دلتهاي اللغوية- والتي تفيد فهم أجزاء الوحدة المدروسة منطلقة مع الجزء وهي مستحضرة للمعنى الكلي أُفقاً لا استغناءً بالماقبل النسبي عن المابعد النسبي! — فإن ذلك خَطَلٌ منطقي بات اليوم من موروثات السفسطة في المعقولات، والقرمطة في المنقولات؛– يـُمكِّننا من فهم أدوار المثقف وتحيزاته اللآواعي بها.لأن غاية الوعي؛ الوعي بتحيزاتنا لا نفيها!

        وأنموذج التقريب لهذه الذات القراءة غير المقروءة!  يمكن التمثيل له بأحسن مثال حي هو: جنس السقوط الكلامي القديم في العينِيَّات-مثلاً- وهو هو جنس السقوط الكلامي الحديث في الظرفيَّات- عموماً- أما استنطاق الوجود كظاهرة/ عمرانياً، واستنطاق السؤال القرآني/ متعالياً، يبقى بعيداً عَنَّا، وعندنا حتى اليوم، وما لم نتجاوز هذه النفعية/ البرغماتية المباشرة في العمل النظري، والانتقائية في النظر العملي، فإن حصر الوُجُوُدَات في الحُدُوُسَات المحسوسة والمظنونة، سيؤدي إلى تصنيم الله، وتأليه الإنسان. وهي النتيجة المصيرية لكلا الناطقين- من حيث لا يشعرون- باسم: الشريعة الربانية/إسلامياً، والشريعة الوضْعَانية/عَلْمَانِياً؛

       يبدو أننا أمام أعراض دونكيخوته المرَضِيِّة بين: (بقايا):

أ‌.       عقلية الـتـثوير الماحلة- مثالها: الخوارج قديماً وتلاميذهم المعاصرين-/ ثم الحالمة.

ب‌.      وعقلية الـتـنوير الحالمة-مثالها: الماركسية حديثاً وتلاميذها المعاصرين-/ ثم الماحلة!.

       والواقع أنه لا الأولى – الدينية الخالصة- تحكم الأذهان، إلا بالوجه الغفل: زعماً للمطلق الرباني/هامانياً؛ أي: سلطة الوصاية على الضمائر، باسم وراثة علم النبي الأكرم!.

      ولا الثانية – العلمانية الخالصة-تحكم الأعيان، إلا بالوجه الغفل: إفساداً للوجود العمراني/فرعونياً؛ أي: سلطة الوصاية على الظواهر باسم حماية عمل الإنسان الأكبر!

      مع توسط الـمُمَوِّل والداعم الرئيس بينهما، وهو ليس إلا: هامانياً/ مالياً-الشركات العابرة للقارات- بوجه ما!.

      فالثانية تسعى إلى:  نقل فكرة الله من وظيفتها في اللاهوت الخُلقي، إلى وظيفتها في اللاهوت الطبيعي (محاولات: هيجل!).لكن بشكل أعور-في أحس الأحوال-.

     والأولى تسعى إلى: نقل فكرة الله من وظيفتها في اللاهوت الطبيعي، إلى وظيفتها في اللاهوت الـخُلقي، لكن بشكل ممسوخ-في أعلى الأحوال-.

       وعور سعي الأولى، ومسخ سعي الثانية: ناتج عن :

تصور نفي الفصل الواصل”بين الديني والدنيوي”، عند الأولى. ونفي الوصل الفاصل” بين الدنيوي والديني”، عند الثانية؛  فيغدو الوصل فاصلاً -” إعطاء للسلطة الزمانية/ فرعونياً الفعل الحق المطلق”- عند الأولى، أي: يكون الإفساد ذا ديباجات بنحو  الديباجات اليهودية التي تتوشح بها الصهيونية لتحقيق مآرب طاغوت العصر المادي. لتكون النتيجة حلولية كُمُوُنِيَّة. ويغدو الفصل وصلاً -” إعطاءً للسلطة الرمزية / هامانياً الحقيقة المطلقة”- عند الثانية.

    أي: يكون الإفساد ذا إجراءات بنحو إجراءات الأنظمة الشمولية التي تسعى إلى اتحاد الفرد بالجماعة حسب إرادة الرب/الإنسان هنا، والذي يمثل حُكماً مطلقاً لتكون النتيجة حلولية وُجُوُدِيـَّة- بالمعنى العقدي/الميثولوجي في التراث العربي الفلسفي- .

  ويتجلى كلا الحلولَيْن في وصف ممارسات بطل ماركيز في روايته:( خريف البطريرك ).لذا يكون تصادمهما من قبيل ديماغوجيات الكلام الوسيط إيديولوجًا، لغايتين:

   1/ الأولى: (حضورية ) هي:  التعويض التوظيفي/ النفسي، لضمير مشوه فاقد لتحقيق قيم القيم اللآمتناهة/(وضوحه في الحالة الإسلامية مثلا) الفاعلة والمنفعلة آفاقيًا/سلبيًا). إذا استثنينا مخاضات الوعي الراشد بعصره.

    2/ والثانية: (حصولية ) هي: التوظيف التعويضي/ الاجتماعي، لوجود مشلول يسعى لرأم شلله بإشلال الآخر/(وضوحه في الحالة العلمانية مثلا)الذي يراه صحيحاً في الظاهر. إذا استثنينا عقلاؤهم.

      فأصبحتا مضاعفتين بمرضين:

                  1/ المرض الأول: جحود عَوَر ميتافيزيقي/ معرفي، وقيمي.

                  2/ والمرض الثاني: جحود مسخي ميتا تاريخي/ عملي، وقيمي؛

والعلاج يكون برد جحود العَوَر الأول -وجدانياً- إلى الضد: وهو الشهود النظري/ بصراً، وبصيرة؛ ورد جحود المسخ الثاني -وجودياً- إلى  الضد: وهو شهود البصيرة آفاقياً؛ولن يتم ذلك إلا بالوفاء لشرطيهما:

                 1/ الشرط الأول: شرط الوفاء النظري/العلمي: وهو على ضربين:

  أ/ الضرب الأول: العلم بعلم الموجود بما هو موجود -في ظرفه، مع شرطه، وهو: نفي الإحاطة الكلية به – وإلا لعاد الأمر إلى سلطنة الآباء القدماء/ الجاهلية، وهو ما جاءت الثورة القرآنية بعلاجه، ومن التجارب المبرهنة على ذلك -مثلاً-:

   التجربة الأولى: جواباً عن الأسئلة التاريخية: تجربة النبي يوسف، حيث بينت أن: الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ فالربوبية هي التي جعلت من يوسف عزيز مصر، وليست ربوبية المربوب الحائلة دون تحقيق التجربة الروحية الحية للفرد وقدراته،( لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) (يوسف: 7) .

    ب/ والضرب الثاني: العلم بعلم الموجود بما هو موجود- في ظرفنا مع شرطه، وهو: نفي الإحاطة به”فالعجز عن الإدراك إدراك!”- وإلا لعاد الأمر إلى سلطنة الأبناء اللقطاء، في عصر الإنفوميديا الكونية، وهو ما جاءت الثورة القرآنية بعلاجه، ومن التجارب المبرهنة على ذلك -مثلاً-:

 التجربة الثانية: جواباً عن الأسئلة التربوية: تجربة “التربية اللُّقمَانِيَّة” كما تتضح في: سورة “لقمان” فلقمان لم يكن يقدم لابنه عقائد صارمة ولاهوت مغلق، وإنما قدم له موعظة ووصية استغرقت صفحة كاملة فقط من المصحف الإمام إن شاء أخذها وإن شاء تركها ليؤسس من هذا المنهج أن مسألة التربية لا تحتاج تعسير وتعسف وأنها تربية حرة بالمفهوم التربوي الحديث فالاختيار والحرية المتسائلة هما شرطا التربية النبوية! ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد…، ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون!) ( لقمان: 15).

           يلي ذلك مضاعفة عِلْمَيْ الضربين روحياً: بفعل التواصي الفردي” حَقَّانياً/الحق”(اجتهاداً معرفيا ذاتياً)، وفعل التواصي الجماعي” صَبرانِيَّاً”/ الصبر” (جهاداً عملياً جماعياً) وهو:  التأسيس الحواري القرآني لفعل التآنس، والتنافس في الخيرات!.

      2/ والشرط الثاني: شرط الوفاء الأنظاري/العملي:  وهو على وجهين:

 أ/ الوجه الأول: العملُ بعملِ الموجود بما هو موجود تنافسياً-في ظرفه، مع شرطه، وهو:  نفي الاستبداد به-.

 ب/ والوجه الثاني: العملُ بعملِ الموجود بما هو موجود تآنسياً-في ظرفه، مع شرطه، وهو: نفي الاستعباد له -.

   ويُقصد بالوجه الأول: نفي السعي لاحتكار كلأشكال المعرفة المادية في سبيل الإنسانية؛ حيث تكون العلاقة بين الأطراف علاقة تكامل مادي.

    ويقصد بالوجه بالثاني: نفي السعي لاحتجار كل العقول المنتجة لهذه المنجزاتحيث تكون العلاقة بين الأطراف علاقة تداول معرفي.

    وهما ما يفقدهما واقع العقليتين – في الأغلب- كما هو واضح من الفحص  لضربي تحقق الشرط الأول، ووجهي تحقق الشرط الثاني عند كِلَيْهِمَا:

  فلا  العقلية الناطقة باسم الشرط الأول/ دينياً، محققة لضربيه، وشرطيهما، ولا العقلية الناطقة باسم الشرط الثاني/ إنسانياً، محققة لوجهيه، بشرطيهما؛ ولا هي قادرة على تجاوز منطقها الموهوم -غير الموجود-الموصوف سابقاً-أعني: خروج الثانية من مملكة الله غير القادر في فعل العالم الطبيعي، إلى مملكة الإنسان/ النيتشوي، والدارويني؛  وخروج الأولى من مملكة الإنسان غير القادر في فعل الضمير الداخلي، إلى مملكة الله البراني”خارج الزمان والمكان”/ حيثُ التخريفي وكل أشكال الفنتازيا الغنوصية الصوفية الميتة.

      والنتيجة اختزال الثانية للعلاقة النهائية! في الإنسان/ آلهية إنسانية؛ واختزال الأولى العلاقة النهائية ! في الله /ربوبية ربانية؛ وكلا الاختزالين مضاعفين إلى علمي، وعملي:

     فقضايا مثل: تأبير النخل!، رضاع الكبير، مقدار توريث المرأة، التأويل الكلامي، …الخ/ كعيِّنَات علمية؛ و تطلعات الأقلية! و تقلباتها الفردية!، وحدود المجتمع المدني، والفصل بين الديني والسياسي، أو تحقيق التقريب مع القبلة الجديدة الغربية/ أمريكياً، بعد أن نُسِخَت القبلة القديمة الشرقية/ سوفيتياً! …/ كعيِّنَاتٍ عملية اجتماعية، تُصبح مفهومة عند كُلٍ على حدة من خلال مملكته الخاصة و “الوحيدة” والتي لا علاقة لها بالأخرى- كما يَفْهَمْ هو-. لا كما يريد الله أن يُفهمنا من خلال آيات البصر والبصيرة.

       تغدو الحالة/ سيكولوجياً: مثل نظر ذوي الاحتياجات الخاصة لغيرهم فكثير من ذوي الاحتياجات الخاصة يرون غيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة كذلك!! فكلٌ ينظرُ للعالم  من عالمه الخاص تماماً؛ والحالة الموصوفة هنا لا تخرج عن هذه المعادلة فهي من جنس عقلية الطوائف التي تحدث عنها أرباب الملل والنحل: مثل: الشهرستاني، والملطي في: “التنبيه والرد”والنوبختي في:” فِرَق الشيعة”والبغدادي في:”الفَرْق”… الخ ؛ويغدو الحديثُ حول هذه الموضوعات من ( الموضات) وآخر الصَّرْخَات الشكلية، والصَرَخَات الإعلامية، والتي يكسب قارون /الإعلام! من وراءها مالاً كثيراً، وتبقى الجماهير بين توهان التفاهة!/الرمزي – وإشباع الحاجات البيولوجية- وعنف الحماقة المادي. و يكسب فيها هامان /الديني، والدنيوي تعويضاً جماهيرياً، ويبقى متوسطاً بينهما فرعون/ السلطاني! مُترَبِّعاً على صدر هامان، وقارون، وهما يتوددان إليه كي يرضى عنهما فهو القبلة والمسجد! كيف لا (( فأينما تولوا فثم وجه الله!! )) سواء ولَّيْتُم قِبَلَ المشرق، أو المغرب فسيأتي الخراج، أينما نزل المطر! وهما مشغولان بـ( الحفر في ماء!).

1-3 قَـدَاسَةُ حَق السؤال:

  • ومـضة:

  ” إذا برز الوثن، غابت شمس الحقيقة! ” (نيتشه).

            إذا كانت كف الجهل حافرة بمخالبها في بِنْيةِ الإنسان الوجودية أقبح أشكال التردي، فإن غوائل غدور الزمن لا ترحم من يتهاون في تحقيق شرائطها، وسنن الله في كمال العمران البشري لا تصيب من يتوانى عن التفتيش في مسبباتها فضلا عن أسبابها. ذلك أن انبثاق اللحظة الشهودية، لا تتطلب الاقتصار على المباشر والمبسط في القيام بأي دور حي، يحقق شهود أمة واقعها الحضاري في عطشٍ لنهوضها العالمي.

         وإذا كانت حالة الاشرئباب المعرفي مركوزة في الطِّباع السامقة باستعداداتها الفطرية التي ترغم صاحبها أن يعرف!  إنها حاجة بيولوجية بلغة وشهادة العلم الحديث، فطرية بلغة مقولة التراث العربي والإسلامي.كما أكد ذلك الفارابي في كتابه ( الحروف، ص:134)، فإن عوائق حالة الاتصال بالحبل السري مع الماضي، والحاضر، والمستقبل، باتت تشكل لنا – سيما في العصر الحديث- إحدى أكبر قواطع التواصل العالمي في لحظة متغيرة جد متغيرة!.

        وبات الغيارى- عند حسن الظن- يفتشون – كل على مشرب- عن أسباب الانحسار، وآخرون عن مفاتيح الانتصار، والجميع يتفق على وصف الحال بأنها حال ارتكاس، ومعضلة انتكاس، وأزمة (انتكاص) في فهم ماضينا وسحبه، أم في الماضي الغربي وجلبه!.

       إلا أن هذه الحالة إن جازت تسميتها بـ:” هم و ألم الريادة” إن توقفت عند وضعية الرفض للراهن –كل الراهن معرفيا كان، أم ظرفيا-  ولم تنتقل إلى موقع الفاعل” الرحيم(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) بحيث لا يصبح الفعل مُشكِلا آخر، أدنى (تجلياته الفردية)، حالة من السوداوية، تصيب الفرد وتنتقل مع الزمن لتكون شللا روحيا تكبل صاحبها عن كل ومضة أمل. وأعلى (تجلياته الجمعوية) التجنيد الأعمى لتصفية كل مخالف، بشكلي التصفية:

 أ/ التصفية الرمزية- إطاحة فكرية، وإسقاطات مسبقة…

ب/وتصفية جسدية، تدبجها فتاوى غير قابلة للنقاش فقط لأنها من:”مصدر ثقة!”.

       إن دوائرنا العلمية والمعرفية، وصلت إلى حالة من:” الجبرية الذهنية”-لمن تأمل- تلك الحالة التي تتعطل فيها كل الفُهوم، في النظر إلى العلوم، لتفقد تاليا دورها العام وتُختصر في :”حوزات” و”وتكايا وزوايا” تُغرد خارج سرب الحياة الواسع، مودعةً ما لقيصر لقيصر وما لله لله؛ والذي لا يمكن لأي مشروع أن يحصرها فيه، ذلك أن الدائرة الإنسانية الإسلامية العالمية الواسعة، لا يمكن أن تُختصر في مشروع بعينه يُنظِّر له:” الرجل الملحمة!”. مهما كان عبقريا.

       إن المعرفة التي ترسف-تمشي مشية المقيد- في عبودية الزمن وأوهاق الحلول المعلبة، لن تراوح مكانها ولن تخرج من مقطرة أزماتها وزمانها، بخلاف المعرفة العطشى إلى تجاوز حدود الزمن الحادث، إنها معرفة عطشى لرب الكمال، عطشى لمن لا يجري عليه ماضٍ، ولا حاضر، ولا مستقبل؛  فاللحظة الربانية- عندنا متعددة- وعنده واحدة! لأنه واحد!!.

      بذلك ندرك أن التراث: كل التراث- حاشا النص المؤسس كتابا وسنة- من الفهوم، والاجتهادات، والفقه، والإنتاج البشري، ما هي إلا وسائل مُعينَة لفهم” قِيَم الوحي” أساسا وليست مُلزِمة! إلا لمن التزمها.!

      ولا يجوز بحال من الأحوال أن تكون حاجزا بين الناس وبين “عطاء القِيم” الخالدة، وحائلا دون ” خلود القيم” وتجردها، واستبدال رأي الناس بها! فمن حق كل مسلم وكل عصر أن يستلهم هذه القيم متى ما توفرت لديه مباني النظر، غير الإسقاطي، في الكتاب والسنة والسيرة النبوية -التي جسدت التنزيل للقيم-بما يفضي إلى العالمية الشاهدة، لا المحلية الحاقدة، وبما يحقق معالجة إشكاليات العصر. وهذا ما جاءت به الشِّرعة الخاتمة، عندما تعرَّض القرآن الحكيم بالنقد لإيمان اليهود وأهل الكتاب والنصارى، قدَّم أخطر قضاياه على الإطلاق! إذ بيَّن أن الإيمان يمكن تزييفه بل وتحريف الكتب السماوية، والعقائد بصفة عامة، فأمكن عن طريق ذلك نقد “سلطان اليهود والأحبار والرهبان”، وسقط سلطانهم سقوطا ذريعا، -وفي ذلك درس لنا ولمن بعدنا-وأصبح في الإمكان أن ينتقد أحد الناس بناء على “قيمة العدل والإحسان”و”القسطاس المستقيم”كل من ثبت أنه يدعي السلطان المطلق، وفكر النقاء، والطهورية الخالصيين.

     إن تحنيط خلود هذه القيم يتبدى في الحال التي وصلنا إليها من حصر الفكر، والاجتهاد في:” الاجتهاد المذهبي” بدلا من :” الاجتهاد المنهجي “!.

      إن كل تفكر/تفلسف لا يقوم على هدف النقد والمراجعة يعتبر موءود من البداية. ذلك أن كل معرفة وليدة ظروفها الخاصة، وبالتالي فإن ادعاء “كليّةالمعرفة/البشرية” ادعاء يحمل من الوهم الشيء الكثير. يبين ذلك “جون  سيرل” –فيلسوف أمريكي معاصر- في كتابه:(العقل واللغة والمجتمع):-بقوله: ” المزاعم المعرفية إنماتصدر وتختبر ويتحقق منها من قبل أفراد يعملون في سياق تاريخي وقبالة خلفية تتشكل منممارسات ثقافية بعينها. بهذا المعنى كل المزاعم مشكّلة اجتماعيا، غير أن صحّة هذهالمزاعم المعرفية ليست مشكّلة اجتماعيا. الصحة مسألة مطابقة بين حقائق موضوعية فيالعالم ومزاعمنا المعرفية”.أ.هـ.

    من هنا جاءت ضرورة تقنين المعرفة، والخبرة، البشرية بتحويلها إلى علوم، ومراكمة البحث، والنقد فيها، وبها، وذلك ما يعرف الآن بـ:(حكمة المعرفة) وهي درجة أعلى وأرقى من المعرفة بما يضمن التراكم البشري المعرفي الحقيقي.

   هنا ينبغي أن نعترف أن معظم أنماط :”التفكير التأملي” مدانة في ثقافتنا العربية والإسلامية باعتبارها نوع من التفلسف الذي يقود بالضرورة التلازمية إلى الزندقة”المروق” عند البعض، لذلك يجنح الغالب إلى التفكير التنفيذي المباشر، والبراجماتيكي القاصر.

      أما الأسئلة العميقة والتي هي وليدة رؤية الصورة بشكل مختلف لا تتم إلا بتوافر العقل الناقد ذي الأبعاد التركيبية، الذي يغوص لأبعد من السطح. وهذا هو دور”الخيال التركيبي” الذي يبدع الفنون بتراتيبها اللآنهائية، والعلوم بتقاسيمها.

     من المعلوم في كل علم بالضرورة أن تناول أي معرفة بالتداول شرطه الأولي العلم بالعلم المتداول ومبانيه الأولى، والانتقال من مرحلة “الإحساس” إلى مرحلة “الإدراك” من مرحلة” الإبصار” إلى مرحلة”البصيرة” ” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني!!”}يوسف:108{.-أي على معرفة، وتحقق-(المفردات، للراغب الأصفهاني، ص:127).

    لقد رأيت كثيرا ممن يطرحون عناوين وقضايا وإشكالات معقدة وكبيرة -تحتاج إلى جيوش من المتخصصين- بشكل أقصى ما أصفها به أنها لا تعانق صروح المعرفة المطروقة لعلاج جزئية من جزئياتها.

   وكثيرا ما أُسائل نفسي لماذا كل هذا التردي في حواراتنا؟  والتعجل في الرد والقفز فوق أدوات الإحاطة والتبصر؟.

   كل شخص يستطيع أن يُدخل رأسه في أي قضية، لكن قبل الدخول هل أُسائل ذاتي ما الذي في جعبتي المعرفية حتى أدخل به؟

   إن ” الورع المعرفي” والذي من تجلياته” التروي” و”عدم العجلة” التي هي بريد التقارب، ورسول التعارف، ومدرج السعي إلى الكمال. من أي جهة جاء، يعتبر مدخل رئيس لعلاج أي أزمة ثقافوية.

   إن معارف فلسفية أولية مثل: 1/المقدمات الفلسفية، 2/ تاريخ الفلسفة، 3/ تواريخ عمومات أبرز الفلاسفة، 4/ مناهج المعرفة في المدرستين العربية والغربية، 5/تاريخ العلوم،  6/ وأوليات علوم الملة واللسان، 7/ وتواريخ الأديان.. إلخ يتطلب كفاحا، وجهادا ! فكيف بالتطاول على عويصات مسائلها، لمن يعلمون أنهم لم يحيطوا بأسمائها فضلا عن مسمياتها! إنها “عقدة الإسقاطات المسبقة” على كل ما نجهله، إنها “عقدة اعتقاد امتلاك المطلق، والنهائي المغلق!”.

     فلنتعلم،،، فلنتواصى،،، والله أعلى وأعلم.

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (لا توجد تقييمات حتى الان)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
العنصرية التلمودية
فلسفة الحياة اليومية(6) عبء اللغة والخيال
أيُّ مُسْتَقْبَلٍ لِلإسْلاَمِ فِيِ اسْتِبْعَادِ العُلُوُمِ النَّظَرِيَّة؟!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني