قُـرآنيات مقالات

البيان القرآني

         

[1] هذا القرآن

     أُنزل القرآن، مُضمَّنًا لمحاتٍ دالة على كيفية تناولِه والتعامل معه؛ فهو كتاب يمتحنُ القوى التجاوزية للبشر، وتتجلى خاصيات امتحانه في مناحٍ عديدة، لعل أهمها صياغته وتراكيبه، وعدم تفاوته، وكذلك عدم تناقض مكوناته-هكذا يعتقد المؤمن به، المشتغل بمضامينه-([1]).

     وتأسيسًا على هذا المعطى انبرى العلماء والمفسرون للبحث عن أسرار إعجازه ومكامن الرقي فيه. وخلال تلك المسيرة المعرفية تطورت أدوات اشتغال النحويين والبلاغيين والمفسرين في اتجاه مقاربة النص عموما والقرآن خصوصا بغية إدراك خاصيات امتحانهـ وراهنيته، و(إعجازه).

     وما دام القرآن يحمل صدقيته في مصاديقه بحد ذاته، أو في كيفية صياغته، فإن معظم العلماء سوف يركزون على صياغته اللغوية، ولعل هذا ما جعل مبحث (البيان/الإعجاز) يتطور، ويدفع معه مجموعة من المباحث اللغوية إلى التطور، وبلورة رؤى خاصة تسمح بتقدم عملية الكشف عن أسرار البيان النصي.

 [2] مناحي البيان القرآني

    لقد دارت دراسة امتحانية وراهنية القرآن حول أمرين، الأول: إثبات (الإعجاز)، وأن القرآن يستحيل أن يكون مصدره الإنسان، وهذا يخاطَب به غير المسلمين. والثاني: محاولات لبيان وجوه هذا الامتحان (الإعجاز)، وهذا يخاطَب به المسلمون. ومن أظهر الكتب التي عُنيت بالأمر الأول: ]المغني للقاضي عبد الجبار[، قديما، وكتاب: ]النبأ العظيم لدراز[ حديثًا؛ مع أن هذا الأخير جامعا لهذين الاتجاهين([2]).

    ولا ريب أن القرآن لما جاء بهذا اللسان خارجًا عن سَنَنِ كلام الناس-مع أنه من سِنخ لغتهم ومادتها- أخرج هذا اللسان نفسه عن سَنَنِ لغات الناس، وهذا الذي أحدثه القرآن في العربية ليس في غيرها من لغات الأرض.

 [3] معالم المنهج في البيان العربي القرآني

    أجمع فقهاء البيان العربي على أن القرآن بهذا اللسان العربي، وامتحانيته وراهنيته (إعجازه) بنظمه، دال دَلالة قاطعة على أمور:  

الأول: أن البيان العربي القرآني توفر على خصائص فريدة، منها: ثراء المفردات والتراكيب. وقد ذكر ابن جني أنه كلما أمعن في دقائق العربية والبيان القرآني، وما تنطوي عليه من حكمة، ودقة، ورهافة في سياسة المعاني، وحيازتها، وولوجها في غوامض القلوب والنفوس وملامستها لأوابد الخواطر، وشوارد الأفكار قوى في نفسه الاعتقاد “أن في العربية والبيان القرآني أمرا إلهــيـًا”([3]). وهذا الأمر أشار إليه بعض المحققين في البيان القرآني من أهل زماننا المتأخر، مثل: الرافعي، والعقاد، وشاكر.

الثاني: أن الجيل الذي نزل فيه القرآن كان قد بلغ في القدرة على الإبانة عن نفسه حدا لم يبلغه جيل من أجيال الأمة في تاريخها كله. ويكاد يجمع أهل العلم البياني أن هذا الجيل والذي قبله هم الذين: “فجروا للناس ينابيع الكلام فاستقوا، ومثلوا لهم مثلا في البلاغة فاحتذوا، ولو أن طباعا لم تشرب من مائهم، ولم تـغذ بجنانهم… لكان أفذاذ الكتاب والشعراء من الجاحظ وغيره في عداد عامة أهل زمانهم”.

الثالث: هو أن تذوق اللغة القرآنية والقدرة على تلقي خوافي أسرارها وأسرار الشعر وآداب العرب عامة -الذي جاء القرآن من جنس لغتها-لا بد أن يكون في مستوى القدرة على اصطناعها، في الإبانة عن المعاني لأن من يُحكم اختيار ألفاظه، وتراكيبه وصوره، لا بد له من ذوق يعينه على ذلك([4]).

الرابع: أن البيان القرآني لو كان كله ظاهرًا مكشوفًا، حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس في ميادين التدبر القرآني، وماتت الخواطر، فضلا عن مدارج الأجر الأخروي التي يتبارى فيها المؤمنون، فلو كان كل فن وعلم شيئًا واحدًا، لم يكن هناك عالم ولا متعلم([5]).

 [4] سمات التأليف في البيان القرآني

    لقد كان للبيان القرآني دورًا بارزًا في منهج الكتابة اللسانية حول القرآن الكريم منذ بواكير تقنين العلوم العربية فضلا عن مستجدات التحديات الدعوة الإسلامية التي توسعت لتشمل أمم جديدة في تاريخ الإسلام، لذلك نجد أن:

-الإعجاز البلاغي سيطر على مباحث المتكلمين الجدلية في الحجاح العقائدي مع المخالفين من شتى الملل والنحل.

-أن المصنفات البيانية (الإعجازية) القرآنية كانت مصنفات بلاغية عامة، فرسائل الخطابي -وهو سني-، والرماني -وهو معتزلي-، والباقلاني -وهو أشعري- أخذت مكانتها العلمية في المكتبة البلاغية العربية([6]).

 [5] نماذج من أبرز المؤلفات في البيان “الإعجاز” القرآني([7]).

1 – ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تأليف الرماني (386هـ)، والخطابي (388هـ)، و(عبد القاهر الجرجاني (471ه). وهي من أوائل المؤلفات في إعجاز القرآن، ولا بد للقارئ من الاطلاع عليها.

2 – إعجاز القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت403هـ) .

    يعتبر هذا الكتاب من أقدم وأجود الكتب المؤلفة في بيان (إعجاز) القرآن الكريم، وبيان وجه الراهنية والامتحانية (الإعجازية) في القرآن. ومؤلفه توفي عام 403هـ. وقد حظي الكتاب بشهرة كبيرة لدى العلماء قديماً وحديثا. ونقل منه العلماء كثيراً في موضوعه، فلا بد للباحث من قراءة هذا الكتاب ليعلم نشوء البحث في موضوع الامتحان و(الإعجاز) القرآني.

3- دلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني (ت471هـ).

    وهذا الكتاب من أمهات كتب البيان (الإعجازي) القرآني، وهو الذي وضع فيه نظيرته (نظم القرآن)، وأصبحت نبراسًا لمن جاء بعده وصنف في إعجاز القرآن، وقد عرف عبدالقاهر الجرجاني بهذه النظرية (نظرية النَّظم) فيما بعد. والكتاب مهم جدًا لكل باحث في البيان (الإعجازي) القرآن، وأجود طبعاته الطبعة التي حققها محمود محمد شاكر  .

4- معترك الأقران في إعجاز القرآن، للعلامة جلال الدين السيوطي (ت911هـ)

    والكتاب يستعرض فيه السيوطي خمسة وثلاثين وجهًا من وجوه البيان (الإعجاز) القرآني، ثم ختم الكتاب بفوائد كلية.

5النبأ العظيم لمحمد عبدالله دراز .

    يعد من الكتب التي ألفت في بيان إعجازية وراهنية وامتحانية القرآن بأسلوب علمي رصين معاصر، وقد تكلم المؤلف في كتابه عن الوحدة الموضوعية للسور القرآنية، والإثبات بالحجة والبرهان على أن السورة الواحدة من القرآن إنما هي كالبناء المتماسك لا يمكن أن تنزع منه لبنة واحدة. وهو من أجود الكتب المعاصرة التي صنفت في بيانية وراهنية وامتحانية القرآن وإن لم يستوعب مسائله.

6 مداخل إعجاز القرآن لمحمود محمد شاكر .

    وهو على وجازته مهم جدًا، فقد ضمنه المؤلف ثلاث مقدمات مهمة في نشأة مصطلح “الإعجاز والمعجزة”، وناقش القائلين بالصرفة وجهًا من أوجه “إعجاز” القرآن، وأسلوبه أدبي فيه إطالة، والوصول للمقصود منه يحتاج لتأني وصبر.

7مباحث في إعجاز القرآن الكريم لمصطفى مسلم .

    وقد أودع فيه مؤلفه أهم المسائل التأصيلية لفن البيان (الإعجاز) القرآني، وأصله مقرر دراسي لطلاب قسم القرآن وعلومه حيث كان المؤلف يدرس هذا المقرر. وأسلوبه سهل، ومدعم بالأمثلة والشواهد .

8المعجزة والإعجاز في القرآن الكريم، لسعد الدين السيد صالح .

    وهو كتاب مهم في تحرير عدد من المصطلحات العلمية المتعلقة بـ”الإعجاز” في القرآن الكريم .

9– – إعجاز القرآن، لحسين نصار .

    وهذا الكتاب جامع متميز لكل ما كتبه العلماء عن “الإعجاز”، وقد حاول أن يلم به إلمامًا دقيقًا ويناقشه مناقشة علمية للخروج بالصواب في كل مسألة. وهو جدير بالقراءة، ولا يعيبه سوى دقة خط طباعته .

10– – فكرة إعجاز القرآن لنعيم الحمصي .

    هذا كتاب مهم صدر للمرة الأولى قبل حوالي ستين عامًا، عام 1374هـ . وكان قبل ذلك نشر منجمًا في مجلة المجمع العلمي بدمشق. وقد صدر في طبعته الثانية عام 1400هـ عن مؤسسة الرسالة، وهي طبعة مزيدة ومنقحة قدم لها وللطبعة الأولى محمد بهجة البيطار عضو المجمع العلمي العربي  .وموضوعه قيِّم، حيث تتبع الدراسات والمؤلفات في “إعجاز” القرآن الكريم منذ بدايتها حتى عصر المؤلف. وقد عرض فيه الآراء عرضًا تاريخيًا، وحرص أن يكون حياديًا لا ثناء فيه على ما يستحسنه، ولا ذم لما لا يرتضيه، وناقش الأقوال التي عرضها، واختصر تلك المؤلفات في أبرز ما جاء فيها من مسائل. فهو كتاب مهم، ينتفع به الباحث في تتبع المؤلفات الكثيرة في “إعجاز” القرآن، واستعراضها استعراضًا سريعًا.

11- الإعجاز البياني للقرآن، ومسائل ابن الأزرق –  لعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء).

    الكتاب مقسم إلى قسمين الجزء الأول: عن “الإعجاز” البياني في القرآن، معناه والمراد به. ناقشت أراء السابقين حوله وحاورتهم وفندت أدلة بعضهم. وحاولت فهم سر “الإعجاز” البياني، وأبدعت في هذا القسم.

    القسم الثاني من الكتاب هو مسائل ابن الأزرق التي سأل عنها ابن عباس -رضي الله عنه- عن كلمات في غريب القرآن ورد عليه وأعطاه شواهد عليها من الشعر الذي قال عنه: ديوان العرب.

12الإعجاز البلاغي: دراسة تحليلية لتراث أهل العلم، لمحمد محمد أبو موسى .

    وقد حرر فيه عدة مسائل تتعلق بتعريف العلماء للإعجاز، ورؤيتهم لوجه إعجاز القرآن، وأضاف الكثير من الأفكار لموضوع إعجاز القرآن. وكل كتب المؤلف فهي نفيسة ومحررة ودقيقة، ومعظمها في إعجاز القرآن البلاغي تنظيرًا وتطبيقًا، ولا سيما كتابه عن (البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري)، وكتابه (المدخل إلى كتابي عبدالقاهر الجرجاني) .

13المجيد في إعجاز القرآن المجيد لابن خطيب زملكان .

    وهو مقسم إلي مقدمة وثلاثة أركان تحتها أبواب وفصول. وجاءت المقدمة في مبحثين :

الأول: حد علم البيان . والثاني: حصر مواقع الغلط في اللفظ . وجاءت الأركان على هذا الترتيب: الركن الأول: الدلالات الإفرادية. الركن الثاني: مراعاة أحوال التأليف. الركن الثالث: معرفة أحوال اللفظ وأسماء أصنافه(البديع). والكتاب يدور حول البلاغة القرانية ويتضمن مسائل نحوية.

*إحالات:

([1]) رشيد برقان، آليات ترابط النص القرآني، أفريقيا الشرق، ط1، 2015 م، الدار البيضاء – المغرب. ص5-7

([2]) محمد محمد أبو موسى، الإعجاز البلاغي: دراسة تحليلية تراث أهل العلم، مكتبة وهبة، ط5، 2017 م، القاهرة – مصر. ص ه.

([3]) الخصائص، ط، دار الكتب العلمية، (1/47، 242، 343) .

([4]) أبو موسى، الإعجاز البلاغي، ص32-38.

([5]) بدوي طبانة، البيان العربي: دراسة تاريخية فنية في أصول البلاغة العربية، ط2، مكتبة الأنجلو، القاهرة – مصر، 1958م، ص21.

([6]) عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء)، الإعجاز البياني للقرآن، ومسائل ابن الأزرق، ط، مكتبة المعارف، القاهرة – مصر، 1958(بدون تاريخ)، ص32 فما بعد، باختصار وتصرف.

([7]) عبد الرحمن الشهري، عرض بعض الكتب المطبوعة في إعجاز القرآن الكريم، منتدى الألوكة، (11/01/1434 – 25/11/2012)، تاريخ الاسترجاع: 29مارس2020م، -بتصرف وإضافة-.

________
* حقوق الصورة البارزة للمقال:
Photo by pikist

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (1 تقييمات, المعدّل: 0.00 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
العنصرية التلمودية
فلسفة الحياة اليومية(1) اختيار المعارك
فَـلسَفةُ الـكَدْح في القُرآن

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني