تأملات مقالات

الشوق للماوراء في الكائن البشري

  «إنـَّكَ تُـدركُ ذاتَـكَ بـذاتِك!».
*(أبو حـامد الغـزالي، تـ: 505هـ):(مـعارج الـقدس[1])


*في المواجهة مع الذات:

    يصف الراوي في روايـة: (قـلب الظـلام )لـ جوزيـف كونراد(تـ:1924م)– والتي كتبها عام 1902م – حال سَكَنة البحار والملاَّحِين قائلا: “أغلب البَحَّارَة دارُهم هي سفينتهم..ووطنهُم هو الـبحر..”[2] مُعيبا عليهم هذه السُّكنَى فيما يراه “اللامكان”. إنهم برأيه لا يطمحون إلى معرفة القارة واليابسة، وإنما يكتفون منها برؤية الشواطئ؛ سوى شاب اسمه “مارلو” كان مولعا بالترحال البحري فقد كانت له نظرة مغايرة عن نظرة كثير من البحَّارة؛ فرغبة هذا الشاب في الترحال ما هي إلا الظاهر الذي يخبئ تحته التوق للترحال عبر الذوات، “استمهاءً” في استكشاف الضمائر، والقسوة التي تكتنفها أفئدة البشر، حيث يقول وهو يصف “كورتز” رجل الظلام، الذي صنع لنفسه في الأدغال مملكة من اللِّئام، يسبحون بحمده والناس نيام، حيثُ استعمر عقولهم ثم أرضهم، يقول مارلو واصافا لكورتز:”رأيتُ لغز الروح التي لم تكن لديها ضوابط.. لم يكن لديها إيمان.. لم يكن لديها خوف..لكنها تحارب نفسها طيلة الوقت!”[3] مارلو كان تواقا للدواخل البشرية حتى عندما يتأمل الساحل فيرى فيه الآتي:”مشاهدة أي ساحل هو أقرب إلى التأمل في لُـغز…[4]. إذن عليه الاقتراب، لفك هذا اللغز.

    مارلو لم يُخدع بالثنائيات الحدية إما خير محض أو شرا خالصا إلخ… وإنما كان يعلم أن الإنسان بقدر حبه لليابسة والقرار، يحمل في طينته الوجودية توقا إلى الرحلة والبحار، فها هو يؤكد ذلك: “ومن حين لآخر عندما يأتي قارب من الشاطئ يُعيدني إلى الحقيقة >لـحظِيَّا<[5] . كينونة هذا الإنسان تتكون بينهما، وفهمه يتبلور عبرهما، ورحلته تتسامى منهما.

    مارلو أثناء الرحلة في أدغال الجزر الأرخبيلية على ضفاف أحد الأنهار الأفريقية يمارس عملية الولوج في لغز الإنسان لذاته بذاته، سيما في جانب النفس الأسود، عبر مواجهته لوحشيته خصوصا، وصراحته مع ذاته عموما؛ فعندما سمع مارلو رجل الظلام البئيس“كورتز” يقول في أيامه الأخيرة قبل موته في الغابة مُغمغما: “عِش كما يجب ثم مُت..مُت..مُت![6] أدرك مارلو أنه كان يسمع من تلك الكلمة صوت ذاته الداخلية هُوَ:كـيف يـجب أن تـكون؟ كيف يجب أن نكون؟(=أليس هذا السؤال هو سؤال الفلسفة الأخلاقية وفعل الحكمة العملية

    المهم هنا أن الحكمة الإنسانية التي أدركها مارلو في نهاية رحلته أنه:”ربما تُتاح لنا كل الحكمة..كل الحقيقة.. كل الصدق.. في اللحظة القصيرة التي نخطو فيها فوق حـافة الـظلام!… فأفق البحر تغطيه الغيوم الكثيفة، والماء يمضي إلى نهاية الأرض تحت سماء مدلهمة كأنه يمضي إلى >قلب ظلام هائل<[7].

*في المواجهة مع المستقبل:

    نعم، هذه النهاية فيها تجسيدٌ واستعداد للمنازلة والمواجهة مع المستقبل، وما يحمله من “ظلام هائل” حسب تعبير مارلو. يرتقي هذا الاستعداد إلى أن يكون “دفاعًا عن المستقبل” كل المستقبل فرديِّه وجماعيِّه ليشكل محور اهتمام نهضوي يمثل مُرتكزًا رئيسًا لاستشراف دور الفرد والجماعة في هذا الوجود فيصبح الدفاع عن المستقبل أمرا فريدا؛ (الدفاع عن الحاضر=يساوي= الدفاع عن المستقبل). لكن أن يكون المستقبل موضوعًا يُدَافَعُ عنه ليبحَث الإنسان فيه عن أنساقٍ لقيامه السوي يُعتبر شيئًا أكثر فرادة في المسيرة الإنسانية!

    ذلك أن السعي في فهم المستقبل هو صوغ للحاضر، بتأمل ارتجاعي للوعي، انعكاسي الأثر، مُحدد الموضوع. إنه قيامٌ بدور شبيه بـ “علم النفس الاستبطاني“-(=أي: الاستبطان الذي هو منهج في علم النفس  يقتضي معرفة الذات لذاتها أي عودة الذات على ذاتها، والتأمل الباطني للذات من قِبَل الذات) كل هدفه  علمٌ بالذات الفردية والجمعية مُستقبليُّ التوجه لكي يصبح إدراك الذات بذاتها “وعيٌ قصدي”[8] نقصد به موضوعا ما، لتأسيس الوعي به، لأن “كل وعي: هو وعي بشيء ما” عند الفيلسوف الألماني هوسرل في “نظريته حول الظاهراتيات”[9].  وهذا الوعي يأخذ وضعا “منظوريا” هو الآخر من زاويا متعددة تنظر للموضوع المقصود، لتشكيل رؤية عن المستقبل أو فهم للماضي أو استيعاب للحاضر، كما يفيده >مرلوبونتي< فيالمنظاريات”[10] ذات النسبوية الآينشتاينية في المقاربة والتحليل.

    وحتى لا نذهب بعيدا فإن القصدية الواعية بموضوعها التي نعنيها هنا هي ما به يتحقق المعنى ومعنى المعنى في رحلته  المتصاعدة إلى معانٍ أُخر وهكذا في سيرورة وصيرورة متلاحقة ترنو نحو الشموخ إلى سفوح الأعالي توقا للانعتاق من أسر المحدودية الوجودية كل حسب بواعثه في وجهته، لتتجلى تمظهراتها بالنسبة لنا بوصفنا مؤمنين مسلمين في تأسيس لَبِنَاتٍ وجودية وحضارية فردية وجماعية كُلنا يشرئب إليها.

    وكما يُفهم من التصور الإسلامي– ولسنا هنا في معرض الحديث عن التأصيل القرآني والروائي للنظر في مبحث المستقبليات عموما – وإنما نكتفي بتبيان أن القرآن الكريم[11] هو: “صوتُ كتاب الكائنات ونَفَسُهُ وتفسيرهُ وإيضاحهُ؛ فإنه كذلك هو رسمٌ لماضي الكائنات وحاضرِها ومستقبلِها، وصورتِها وخارطتها، ومفتاحٌ سرّيّ لأبوابها التي قد تٌظن أنها مُغلقة. القرآن الكريم “كلٌ” يُعبر عن هذه الأمور والشؤون جميعاً. “كلٌّ” يستحيل تَجَزّؤه من هذه الحيثية، لـذا فـإن تجزئته إلى أجزاء، ثم محاولة استنباط فهمٍ كامل وتام من الأجزاء، غلطٌ وخطل وإهانة لروحه. وسوف يبقى من يريد أن يفهمه أو يحصره في تفسير آياتٍ وأحاديثَ معدودة بأسلوب وعظيّ، مهزوزَ الوجدان بأحاسيس نقص حقيقي، ومُعانِياً من خواء روحي دائم؛ مهما كدّ وسعى لسماع مجموعة الأنغام الرائعة هذه”. أي التعامل مع القرآن الكريم من حيث هو مُوحِّد لحياة الإنسان والإنسانية كلها[12].

* حاصل القول:

    أنه إذا كان “القول الفلسفي[13] قد تمحور منذ “فجر الفكر اليوناني”حول المرور من الافـتراضي إلي الـحيني، فإن ما نلمسه راهنـًا هو الاتجاه المعاكس(=أي: المرور من الحيني إلى الافتراضي) ويعني هذا التحول أن “مقاييس الفكر الحديث” التي تشكلت منذ عصر الحداثة والتنوير الغربية على “عقلنة الطبيعة” من حيث هـي أبعاد ميكانيكية “ثابتة” قابلة للقياس والترويض–والتي تم ترحيل منتجاتها عولميا لبلداننا العربية والإسلامية وغيرها- و”عقلنة المجتمع” من حيث هـو فضاء تاريخي خاضع لمنطق “التحول الغائي” فقد تغيرت في اتجاه ثقافة من دون موجِّهات ولا مراكز ولا غايات، مما يفسر الحديث المتزايد عن أزمة”الَّدلالة“و”المعنى“و”مأزق المرجعية“التي لم توفق في تعويضها الأحلام اليسارية الجديدة ولا الخطاب الليبرالي المتطرف حتى الثمالة! في مواجهة سؤال المستقبل الذي ينطوي على توق وشوق إلى الماوراء، حتى وإن تمظهر لنا بصورة دهرية/علمانية تقف مخاصمة لكل مفارق وغيبي وروحي.

__________
*إحالات:

[1]انظر، معارج القدس في مدارج معرفة النفس، (ص 28 فما بعد). نشر: دار الألباب. دمشق- سوريا. تحقيق: محمود دبيجو. ط، الأولى: 1998م-1416هـ.
[2] ترجمة: أحمد خالد توفيق، نشر: المؤسسة العربية الحديثة، مصر- القاهرة. سلسلة روايات عالمية للجيب(45).(ص: 14).
[3] م. س. (ص:110).
[4] م. س. (ص: 28).
[5] م. س. (29-30).
[6]  م. س. (ص: 115).
[7] م. س. (ص 120،139).
[8] إذا نظرنا للسلوك بإمكانات ثلاثية الأولى يكون فيها السلوك لا إراديا(=ردة فعل) والثانية يكون السلوك فيها فعلا مقصودا(=أفعالا) والثالثة يكون السلوك فيها فعلا واعيا(=وعي قصدي)(انـظر: برتران تروادك في كتابه: عـلم الـنفس الثـقافي“ص11 فما بعد” (الفارابي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ترجمة: حكمت خوري وجوزف بو رزق).
[9] انظر: إيمانويل ليفيناس، نظرية الحدس في فينومينولوجيا هوسرل (الفصل الثالث) تعريب وتعليق: لطفي خير الله.
[10] انظر: أندريه روبينه، مـرلوبـونـتي (ص29 فما بعد) ترجمة: جاك الأسود. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت-لبنان. ط، الأولى: 1401هـ-1981م. سلسلة “أعلام الفكر العالمي”.
[11]  محمد فتح الله كولن في مقالته: الخصوصيات الأساسية للفكر الإسلامي (مجلة حراء، عدد: 16، يوليو-سبتمبر 2009م، ص 7) بتصرف.
[12] فيكون النظر إليه موسوما بأنه نظر يهدف إلى : الـ”تفسير التوحيدي للقرآن الكريم” كما يحاول حسن الترابي-وغيره- في عمله: التفسير التوحيدي، دار الساقي، بيروت-لبنان.
[13] حسب: رمضان بسطاويسي محمد، نـقد الواقـع الافـتراضي: غياب الجسد والمكان والالتزام الأخلاقي-(مقال)مجلة العربي الكويتية: (عدد: 595 يونيو 2008م).(ص:156).بتصرف.
_____
________
* حقوق الصورة البارزة للمقال:
Photo by piqsels

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (لا توجد تقييمات حتى الان)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
أيُّ مُسْتَقْبَلٍ لِلإسْلاَمِ فِيِ اسْتِبْعَادِ العُلُوُمِ النَّظَرِيَّة؟!
فلسفة الحياة اليومية(1) اختيار المعارك
فلسفة الحياة اليومية(6) عبء اللغة والخيال

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني