تأملات مَنهجيات

شذرات في التكوين المعرفي والذاتي

(1) بناء منظومة الحياة الذاتية:

في طريق بناء الذات هناك ركنان لا بد من الانتباه لهما في عملية البناء والتكوين والتربية:

     (أ) البناء الثقافي؛ عبر مفاتيح ومداخل منظومة المعارف البشرية، وتراكم الرصيد الإنساني العلمي، لغة، ومنطقًا، وأحياءً، وفيزياءً، وهندسةً، واجتماعًا، وفنًا، وتربيةً، وقانونًا، ودينًا، وأخلاقًا، واقتصادًا،… .

    (ب) البناء الشخصي والأسري، عبر الالتفات لتحليل السلوك الشخصي والأسري، وجذور النظرة للحياة، وسمات وطرائق الحياة اليومية، في العلاقات، والقرارات، والعادات، والمشاعر، وقيادة، وإدارة للذات، وإدراكًا للدوافع الذاتية، ومعرفة بمواطن القوة والضعف، ومعرفة بمراحل النمو والتكوين وخصائصهما،… .

(2) التأسيس العلمي:

هناك آفتان لا بد من الحذر منهما حين تأسيس عقليتك العلمية:

      (أ) فوضى التكوين: ومن سماتها:

1) تقديم رغبة في علم ما، يتطلب مقدماتٍ من علوم أخرى: كتقديم “علم التفسير القرآني” على “علم النحو والبيان البلاغي”. أو كتقديم “علم الكلام” على “علم المنطق”. أو تقديم “علم الأناسة” على “علم الاجتماع”… .

2) الهجوم على مشاريع علمية وفكرية تتطلب قاعدة عريضة من معارف متنوعة: كالإقبال على مشاريع النقد الغربي، ونقد العقل العربي، ونقد التراث الإسلامي،… دون الإلمام بأدوات تلك المشاريع من تاريخ أفكار، واجتماع، ومنطق، وتاريخ، وأصول،… .

(ب) فوضى القراءات: ومن سماتها:

1) عدم التفريق بين الكتب التمهيدية والكتب التأسيسة:

– فــ الكتب التمهيدية: هي توطئات يضعها المعاصرون بقصد تعريف الدارس والقارىء بعلم ما، بلغة معاصرة سهلة.

-أما الكتب التأسيسية: فهي نصوص تعارف عليها أهل الاختصاص في حقل علمي ما.

فمن يقرأ أو يدرس على سبيل المثال مدخلاً معاصرًا في علم (أصول الفقه) فإنه لا يعتبر قرأ كتابًا تأسيسًا وإنما قرأ كتابًا تمهيديًا تعريفيًا في الأصول؛ لأن كتب الأصول معهودة عند أرباب الحقل الأصولي على اختلاف المدارس والمذاهب: سواء أكانت نصوصًا دراسية أو أمهات مرجعية.

2) الشتات القرائي الرغبوي: ومن سماته:

متابعة الموضة القرائية: فإذا كان المزاج القرائي يعطي شعورًا بالامتياز الاجتماعي؛ تجد انزياحًا إليه، واهتمامًا بنمط الكتب التي تعطي ذلك الشعور بالامتياز والحضور العام.

متابعة القضايا الملتهبة: لا بقصد تقصي مشكلة ما، أو توسيع الوعي بسياق قضية معرفية ذات أثر تاريخي أو معاصر؛ وإنما بقصد “إثبات الوجود” الذي غالبًا ما يكون وجودًا اجتماعيًا.

متابعة شهوة الممنوع: مع أن الكثير من الممنوعات الثقافية مهم لكنه مهجور؛ إلا أن الفضول للممنوعات الجماهيرية أسهل على الذائقة الشعبية، الأمر الذي قد يندفع له بعض القراء بقصد التفتيش عن “غرائب” الكتب في عالم السحر والجنس والسياسة والتاريخ… .

 (3) نماذج تطبيقية في التنظيم والتحليل:

يتساءل كثيرٌ من شُداةِ العلم والمعرفة عن نماذج عربية في البحث والكتابة الفكرية يمكن “الاسترشاد والاستبصار” بطرائقها في البحث والكتابة والتحليل.

يمكن للقارىء العربي المهتم بقضايا الفكر والثقافة والعلوم الإنسانية والاجتماعية الاستفادة من معمارها المنهجي والتطوير عليه (وهنا نماذج مختارة للتوضيح لا للحصر):

– فإذا كان القارىء/الباحث ينشد التنظيم في الأفكار، والدقة في التعبير، فــ عليه الاهتمام بأعمال (الفيلسوف: طه عبد الرحمن) فهو (منطقي ولغوي) أصالةً.

– وإذا كان القارىء/الباحث ينشد التحليل للقضايا، والهندسة للحلول، فـ عليه الاهتمام بأعمال (الفيلسوف: أبو يعرب المرزوقي) فهو (رياضي وهندسي) أصالة.

– وإذا كان القارىء/الباحث ينشد الموسوعية في البحث، والتقصي في العرض، فـ عليه الاهتمام بأعمال (الفيلسوف: عبد الرحمن بدوي).

– وإذا كان القارىء/الباحث ينشد الشمول في العرض؛ فـ عليه الاهتمام بعمل (فيلسوف الحضارة: ول ديورانت”قصة الحضارة”).

– وإذا كان القارىء/الباحث ينشد الأمانة في النقل والاستيعاب في العرض؛ فـ عليه الاهتمام بعمليْ (الإمام: الطبري في “التفسير” و”التاريخ”).

 

________
* حقوق الصورة البارزة للمقال:
Photo by piqsels 

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (4 تقييمات, المعدّل: 0.00 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
الشوق للماوراء في الكائن البشري
برنامج: الثقافة العلمية الطبيعية| وملحق بمصادر الدراسات التطورية – الصادرة بالعربية
قـوة الـكينونة(3) عُـشَارِيَّة القراءة
2 تعليقان
  • Ruqaya
    4 أبريل، 2021 الساعة 12:53 صباحًا
    رد

    في الصميم 👌🏼
    مقال موفق جدًا
    كثير من قراءاتي لم تكن موجهة، وودت لو كنت أقرأ بمنهجية، فالتحقت ببرنامج (بناء منهجي)، حتى أكرمني الله بقسم الاستشراق.

    • أحمد الحمدي
      4 أبريل، 2021 الساعة 2:36 مساءً
      رد

      فعلا أ. رقية؛ فــالحاجة لعقل منظم باتت ضرورة: لأن الهدير المعرفي ضخم، والمساحة العمرية للفرد قصيرة. لذا فـ (فقه الأولويات) و(فقه الموازنات) مهمة في (سياسة المعرفة) وتدبيرها.

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني