تأملات قُـرآنيات

منزلة الــحَيْرة

سبحان من حارت فيه مَحَاراتُ العقول.. فرجعتْ إلى عـُشِّ العبودية.

     الحَيْرَةُ شعورٌ موَّاج، يعصفُ بالعقل، ويُقلقُ النفس، فيُحيل الزمن إلى جاثومٍ في حالة صحْو، تلتبسُ خلاله قوى الذات، وترتفع فيه مدارك الذهن. إلا أن من الحيرة ما هو تيهٌ وعمى، ومنها ما هو لذائذ قلب، ودهشة فؤاد، وسكينةُ روحٍ تتقلب في معاني الهدى.
     والحَيْرةُ إما أن تكون:
    – شعوراً عاماً وعارماً للحالة الفكرية والوجدانية كُلِّها.
    – أو تكون شعوراً خاصاً بموضوعٍ محدد.

الحيرة في الدلالة اللغوية:
     إن معنى الحيرة اللغوي معنى (عام) يحتاج إلى (استفصال) لساني/لغوي، حتى نعرف حجم الحمولة الدلالية المنبعثة منه في قسميْ الحيرة العامة والخاصة:
يقول الزبيدي:”أَصْلُ الحَيْرَة أَنْ يَنظُر الإِنسَانُ إِلى شَيْءٍ فيَغْشَاه ضَوْؤُه فيَصْرِفَ بصَرَه عنه”[1]. كتحديق نظركَ إلى الشمس مثلا.
ويقول الخادمي:”قال الْأَصْمَعِيُّ: الحَيرَةُ هي: أن يَتَحَيَّر عِنْدَ الْحَقِّ وَلَا يَرَاهُ حَقًّا”[2].
وقبلهما قال العسكري:”التيه أصله الحيرة[3]“. وفي: (المعجم الوسيط): “الحيرة هي الانشداه: انشَدَهَ: أي: تحيَّرَ”.

الحيرة في الدلالة القلبية:
     هذا هو المعنى المعجمي العام للفظة (الحيرة)، أما إذا كان محل الحيرة شأنٌ محدد ومخصوص، فله صور وأنحاء، ولكل صورة ونحو، لون من الوصف والتناول والفهم:
فمثلا إذا كانت الحيرة متعلقة بجناب ((الذات الإلهية)): فهذه قال فيها الغزالي:”النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل[4].
     وهذه الحيرة هي التي قال فيها أبو بكر الصديق:”العجزُ عن درْكِ الإدراكِ إدراك[5]. وهي الحيرة التي قال عنها الجنيد البغدادي: “إذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة[6]: أي الاعتراف بالعجز عن بلوغ حقيقة الذات الإلهية.
     وهذا الاعتراف بالعجز البشري لوحده كاف لنسفِ الغرور العلمي والنفي الفلسفي العدمي و(اللآدرية الوجودية العامة): لأنه: حيرة مصحوبة بعجز مطلق في حضرة الحق سبحانه، ووقوف بالمخلوق عند عتبات المخلوقية.
    وقد تكون الحيرة المخصوصة محلها الأشواق إلى القرب الإلهي والتعالي الروحي نحو: الله، فهذه هي التي عاشها أهل العرفان والوجدان: فشأنها هو ما قاله الواسطي: “مقامات الوجْد]=والحب الإلهي[ أربعة منها: الذهول، ثم الـحيرة…”[7].
    وعلى ذلك الاستفصال في معاني الحيرة، نفهم أن شخوصَ بصرِ الأنبياء إلى السماء كما في آية: {قد نرى تقلب وجهك في السماء}، ليس المراد به معنى الحيرة العام الموازي لمفهوم الحيرة العامة اللآأدرية، أو الحيرة العدمية الفلسفية؛ فقطعاً أن الأنبياء ليسوا تائهين وليسوا لا أدريين… وإنما (تحيُّرهُم) هو من جنس الصورة الثانية المخصوصة من التحير:
    أي أن رفع بصر الأنبياء إلى السماء ليس ناشئاً من حيرة استدلال عقلي، وشكٍّ معرفي مطلق، في ذات الواجد سبحانه، وإنما حيرتهم ناشئة من أشواق أذواق قلبية في طلب تنـزلات ومعاينات الاستهلال الروحي، والقرب والدفء، والطمأنية أكثر وأكثر في جناب المطلق الأبدي السرمدي.. الأول والآخر الظاهر والباطن: وفي هذا المعنى قال بعض العارفين بالله:
       (زدني بفرط الحب فيك تـحـيـراً * وارحم حشا بلظى هواك تسعراً)[8].
فهذه هي الحيرة المقصودة، بل والمطلوبة.
     {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى (وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }(البقرة260)[9].

قال ذات مرة جلال الدين الرومي في مواجيده:
    “لا يكونُ أمرُ الدِّينِ إلا الحَيْرَة!
لكن، لا كما يكونُ المرءُ حائِراً بحيث يُعطيهِ ظهرَه [لا مُباليًا]؛
بل إنها حَيْرةٌ تجعلهُ مستغرِقَاً في الحبيبِ ثَمِلاً به،
فبينَما يولِّي أحدُهُم وجهَهُ صوبَ الحبِيب؛
هناكَ آخرٌ صارَ وجهُهُ كـ وجهِ الحبيِب!
فداوم النَّظر إلى كُلِّ وجهٍ، وداومِ الانتباهَ إليهِ[سبحانه]،
رُبما تُصبِحُ من هذا العمل خَبيرًا بالوجوه!
فكم هُناكَ من إبليسٍ لهُ وجهُ آدم!
فلا تَمُدنَّ يدَكَ إذنْ إلى كُلِّ أحد!”[10].-

—————

الإحـــالات:

[1] الزبيدي، شرح القاموس للفيروزآبادي، ( ج11/ ص116).

[2] الخادمي، البريقة المحمودية، (3/206). ومثله قال المناوي في: (التوقيف على مهمات التعاريف).

[3] العسكري، الفروق.

[4] الغزالي، الإحياء، (4/34).

[5] الغزالي، المرجع السابق، (4/252).

[6] القشيري، الرسالة، (ص 135).

[7] السهروردي، عوارف المعارف، (ص:491).

[8] الآلوسي، روح المعاني، (4/242).

[9] تأمل: تفسير الفخر الرازي في هذه الآية فهو مهم، وانظر تفسير سيد قطب (1/302)، في هذه الآية فهو مدهش حد الوجد.

[10] الرومي، المثنوي، (ج1/ص63).

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (2 تقييمات, المعدّل: 0.50 من 5)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
فلسفة الحياة اليومية(1) اختيار المعارك
(وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى): وقفات تأصيلية
قـوة الـكينونة(1) عُشاريَّـة الـعروج الذاتي

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني