مقالات

نقص في الشعـائـر؟ أم نقص في المشاعـر؟

إضاءة:

  • كُـلُّ شـَعـائِـر بـلا مـشَـاعـر.. لا يـُعـوَّل عـليـها !.                                                                      

“عندما أفكر في وجود الإنسان، أتوصل إلى الإقرار بإحدى هاتين النتيجتين:

1. الإنسان كائن أرضي «منفصل» عن الوجود الكلي.

2. الإنسان كائن أرضي «متصل» بالوجود الكوني. وعندما يبلغ تفكيري هذا الحد، ألقي على نفسي السؤال التالي:

ما النتائج الحاصلة من هاتين الفكرتين؟

فأُجيب:

 1. إن «انفصال» الإنسان عن الكون يشير إلى واقع أليم.. يعزله عن الوجود.. يقض مضجعه.. ويلقي به في نطاق التفاهة إنه كائن هزيل.. لا ينبثق من مصدر! لا جوهر له! لا مكان له يلتجئ إليه، إنه «كائن تائه». والحق أن هذا الإحساس يقوده للارتماء في أحضان «اللذات» على نحو يتلاءم مع إحساسه بالتفاهة!.

2. إن «اتصال» الإنسان بالكون يشير إلى أنه كائن عظيم يمثل كلية الوجود.. إنه كائن يمتلئ بـ«المعنى» والقيمة.. كائن لا تضنيه الغربة، ولا يعزله هذا الكوكب عن مسيرة الحياة الكونية، والكلية، كائن يشعر أن المعرفة والوعي متلازمان لوجوده فيغتبط، فيبذل جهده في سبيل تحقيق الطاقة الكونية المنطوية فيه، هكذا تتجلى الاتصالية بالملء، والغبطة، والوعي. وتبدو الانفصالية في الفراغ، والتعاسة، واللذة فحسب[2].”!

استوقفني هذا النص الصميمي الذي يحلل فيه الفيلسوف الإنساني، والحكيم السوري (ندرة اليازجي) الوجود الإنساني تحت عنوان: “امتلاء الشخصية الإنسانية“.

س/ ما علاقة هذا النص بعنوان المقال أعلاه؟

   في زحمة اللهاث وراء ما أسميه  «ثقافة تكديس الكم»[3] ذلك الكم المالي.. الكم الجماهيري.. الكم التسويقي والشرائي… تضطرب المناظير المعيارية في نماذج التفكير لدينا أثناء التعاطي مع الحياة، وتـكون أمام خيارين لا ثالث لهما:

(1)            إما أن تتحكم في استجابتك للحياة،

(2)            وإما أن تنفعل مع الحياة[4]- وبين هذا الانفعال والتفاعل بون شاسع-.

    ذلك أن التحكم في الاستجابة الحياتية رهن بـ فن الإصغاء للذات[5]والإصغاء الكياني يتسامى بما أسميه «الانفتاح الروحي على الذات[6]».

تعمل «المثيرات» الحياتية على استفزاز الميكانيزمات الدفاعية لدينا؛ وهنا يحصل الفارق بين إنسان وإنسان: على مستوى الشعور والتفكير والسلوك.

طريقة التعاطي مع المثير هي حجر الزاوية في تجربة الحياة؛ حيث الفرادة تتجلى في كل كينونتك.

بالنسبة لي أعتبر كل ما في الحياة «مثير» تختلف درجة الإثارة فيه حسب الحالة النفسية والروحية والتفكرية في ذاتي. هذه الإثارة مضاعفة من جهتين:

(1)            الجهة الأولى: تتعلق بذات الموضوع المثير.

(2)            الجهة الثانية: تتعلق بإثارتي أنا لذات الموضوع. فهي عملية تبادلية بين ذاتين مثيرتين للمعنى باتجاه معنى المعنى، ومعنى معنى المعنى… إلى لانهائيات المعنى الجلالي والجمالي في كل مواضيع الوجود: الفن.. الدين.. الجنس.. المعمار.. الطب.. التقنية… إلخ.

      هنا تتحقق عملية الانفصال والاتصال الإنساني التي يحللها الفيلسوف الروحاني ندرة اليازجي: حيث فض بكارة كل ما من شأنه أن يعزلك عن حقيقة اتصالك بالكوني والمطلق والمتعالي والكلي…

     س/ يا ترى ما علاقة طقوس وشعائريات الأديان التي يتوسلها الإنسان بهذه الاتصالية والانفصالية؟

      كل من له أدنى مطالعة في حقل الأناسيات الثقافية، سيما أناسيات دراسة الدين وظواهر الأساطير والطوطم… يعرف أن صناعة الأسطورة مثلا قائم على إدراك حقيقة متعالية لابد أن يتصل بها كائن في التاريخ وآخر في الميتا تاريخ.

       الدين يتوافق مع الأسطورة في نشدان المطلق والمتعالي على كل التاريخ النسبي: وهنا أنبه إلى أن هذا التوافق لا يعني أن الدين بالضرورة يستحيل إلى أسطورة؛ لا أبدا. إلا إذا كان دينا فقد مضامينه الاتصالية واستحال إلى شعائريات يمارسها أتباعها دون أدنى انفتاح مقاصدي ينشد المعنى.. ومعنى المعنى في كل شعيرة.

      س/ هنا يحق لنا أن نتساءل عن مفهوم الشعائر في علاقتها بالمشاعر، وتحديدا في الشعائر الدينية وأفعال التدين المختلفة: ما الوعي المتحصل فيهما؟

     في الأماكن الدينية المقدسة إسلاميا ونصرانيا وبوذيا… تجد لافتات يكتب عليها (مشاعر مقدسة) هذه اللافتة قد لا تستثير الكثير منا؛ لكنها تحمل عند تفكيكها جوهر كل علاقة الإنسان بالماوراء: اتصالا وانفصالا في فلسفة الدين وفعل التدين.

    بالرجوع إلى قواميس الاشتقاق العربي في لفظ (شَعَرَ) ندرك أن الحالة الجوانية حاضرة في «الفعل الشعائري» كـ«مقصد شُعوري» من فعل الشعيرة/الشعائر. فبين )الشعور) و(الشعيرة) علاقة وجودية صميمية: تنتفي حقيقة الشعائر بانتفاء المشاعر فيها.

    س/ وهنا نتساءل كذلك عن المثير الوجودي والمثير في الشعائر: وكيف يتحقق الاتصال والانفصال الإنساني خلالهما؟

    الكائن الإنساني فيما أعلم يملك قوة أسميها «قوة الاستنطاق» أقصد «قوة استنطاق المعنى» من الأشياء[7]، حيث بإمكانه تدفيق المعنى من كل الوجودات التي تحيط به والتي يستخدمها، لذلك قلت أن كل ما في الوجود مثيـر!

   هذا من زاوية الذات الناظرة. أما من حيث الموضوع المنظور فهو كذلك مثير على عدة مستويات: على مستوى الوجود المتمايز(=تمايز هذه الفاكهة عن تلك مثلا) وعلى مستوى الوجود المفارق(=وجود جنس من الكائنات لا شبيه له)… إلخ مستويات وألوان الوجودات.

       عندما نتحدث عن المشاعر في الشعائر يحضر (مفهوم النية) والحديث عن النية في استكناه المشاعر في الشعائر ليس حديثا إسلامويا حصريا؛ معظم الأديان ترتكز في بناء مفاهيمها السلوكية على مفهوم النية. أما الفلسفات الروحية شرقا وغربا فإن حديث النية لديها هو حديث صميمي ومفهوم رئيس، سيما في جلسات علم النفس اليونجي وعلم النفس الإيجابي.

       النية تغير زاوية النظر للأشياء بلا شك! وبالتالي تغير طريقة الاستجابة الشعورية والسلوكية لهذه الإثارة الشعائرية أو تلك. عند الفحص أجد أن المشكلة الرئيسة في تفريغ الشعائر من المشاعر ليست في وجود النوايا في الشعائر! أبدا!  فجميع القائمين بالشعائر لديهم «نوايا» !

     س/ السؤال الحقيقي يكمن في «ماهية النية» في الفعل الشعائري! وكيفية التماهي مع قصدية هذا الفعل؟!

في النية هناك من يتوسل بالقوة العليا والقدرة الكلية لتحقيق رغبة آنية!

في النية هناك يتخذ إلها يحقق له رغبة عند إله آخر!

في النية هناك اختلاق لحالة يمكن صناعتها لتحقيق سكينة مؤقتة وغفران موعود!

      «تقنيات الرجاء» بالنية كثيرة جدا بعدد البشر على وجه الأرض، ويمكن تحقيقها في كل فعل شعائري، لكن تحقيق الاتصال الإنساني بحقيقته لا يمكن الولوج إليها إلا بالتحرر من كل تقنيات الرجاء حتى من «تقنية النية» ذاتها!

  إذن ما الحل؟

الحل هو بالقفز فوق كل رغبة في النسبي والتاريخي والآني والمحدود… من أجل الاتصال بالكلي المطلق والكوني الأبدي: وهنا تتحقق حالة الاتصال الإنساني بين ذاتين تنشد إحداهما المطلق في كل ما هو نسبي.

 إنها دعوة لتحرير الشعائر بـالمشاعر.

والله أعلم وأحكم.

 —————–

[1] باحث في الدراسات الفلسفية والنفسَـ- مَـعرفية/ السعودية www.ahmadaalhamdi.com

[2]ندرة اليازجي، المجلد الأول/الأعمال الكاملة «الرسائل الإنسانية، ص/124-125».

[3] انظر: روجر روزنبلات، ثقافة الاستهلاك: الاستهلاك والحضارة والسعي وراء السعادة. منشورات المشروع القومي للترجمة، 2011.

[4] انظر: زيج زيجلار، أراك على القمة. منشورات مكتبة جرير-السعودية. ومادة له بعنوان(كيف نستجيب للحياة؟)(يوتيوب 16‏/03‏/2012).

[5] انظر: إيريك فروم، فن الإصغاء. منشورات دار الحوار، 2013.

[6] انظر: عمر فلاته وعلي أبو الحسن، آخرك: فصول في مجالسة المرء نفسه. ومقدمتي لذات الكتاب بعنوان(الانفتاح على الذات).

[7] علينا  أن نتواضع في حدود المعرفة الإنسانية: ذلك أن الكائنات الأخرى قد يكون لديها من القوى الاستنطاقية ما يفوق قوانا لكننا لا نعلم بها.

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (لا توجد تقييمات حتى الان)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
فلسفة الحياة اليومية(2) أوهام النجاح (1) مقدمة
فلسفة الحياة اليومية(6) عبء اللغة والخيال
الجماهير.. والمثقف.. وقداسة السؤال

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني