مقالات

أفـق الـمعـرفة والـعـرفـان في عرفة وعرفات

إضاءة:

كُـلُّ معرفة بلا عرفان… لا يعول عليها !.                                                       

 في سيرورة واحدة يجري هذا الوجود.. تتلمس حقيقيتك في تفاصيله الصغيرة.

البسمة التي تأسرك في وجه طفل، النسمة التي تُقبِّلُ وجنتيك، الفقير الذي تترقرق عيناه لهفةً لإنسان، الفاكهة التي تُخرجها من ثلاجتك وتتلذذ بتشريحها كتذوقها، هاتفك الذي تكتب فيه تعليقا رقميا، أو رسالة لصديق تفصلك عنه آلاف الأميال، الموسيقى التي تتقاطر في إقليم أحلامك، ممارسة رياضتك المفضلة حتى تتقاطر عرقا، أفلامك المفضلة التي تغازلك بومضاتِ حياة، كيسُ نفاياتك التي تقذف بها في صندوق حيك، جارُك الذي تباغته بتحية كل غروب، عامل الدكان الذي يتكسر حرفه العربي لكنه يصر أن يسبقك بأشواقه إليك وحبه لك، الطرقات التي تسير فيها بسيارتك، الأشجار على جنباتها،،، تفتح حاسوبك الشخصي وتصافح رموزا وسطورا كل يوم… وتفاصيل أخرى…

 كل هذه التفاصيل ما أخبارك معها؟ هل تتأملكَ فيها بعمق؟

ذات مرة قال أديب روسيا المسرحي: أنطون تشيخوف: ” الإنسان يصبح أفضل عندما نبيّن له كيف هو؟”.

نعم، كيف هو؟ سؤال يصب في «هُوية الأشياء» تلك الهوية رهينة علاقتنا بـ «السؤال الهُوَوِي» جملة وتفصيلا وهو سؤال فلسفي بامتياز، كان محل تنقيب الفلاسفة شرقا وغربا، الكندي والفارابي وحتى أدموند هوسرل في ظواهرياته.

 لا أود الخوض في أنساق الموضوع الفلسفية من زاوية مدرسية في هذه السانحة العابرة. ما أود قوله هو رغبة ذاتية في الترحال برمزية يوم عرفة وجبل عرفات في علاقتهما بأفقٍ أسمى؛ هو أفق المعرفة في طريق العرفان الروحي.

 الزمان.. المكان.. الإنسان.. المعرفة.. العرفان… جدِيلَـة مسترسلة في شلال سر الوجود. ترتعش وأنت تصافح الإحساس بالزمن كل صباح.. كل يوم في طريقك لأحلامك ورغباتك. والصدمة أن تكتشف نسبيتك في نسبية الزمن.. وأنك كائن محفوف بالـ«مؤقت» من كل جهة!

ترتعش أخرى وأنت تطوف في فلك محيطك المكاني لأنك تكتشف في ومضة المكان نسبيتك في نسبية المكان.. وأنك كائن محفوف بالـ«محدود» من كل جهة!.

ثم تتلفت هنا وهناك تبحث عنك عن إنسانك لكنك لا تجدك! لأنك كائن محفوف بالـ«الغموض» من كل جهة!. وتبحث في المرايا عن تجميل أقنعتك!. وكلما كانت جوانيتك مسكونة بعشق الأبدي؛ سهل عليك إبصار أقنعتك لتنـزعها واحدًا تلو آخر.!

 نقترب من أعتاب «جنة العرفان» عند استشعار الزمان العابر.. والمكان الغابر.. والإنسان المسافر… في دروب المعرفة إلى سماوات العرفان.

أن تعرف «ما هو؟»-في مقولة تشيخوف- يعني أن تعرف من خلال الأشياء «ما أنا؟» بـأن تستشعر العرفان بالمعرفة في كل تلك التفاصيل اليومية المعيشة: ألم يستنكر أولئك البُعَداء عن العرفان على أنبيائهم أنهم يمشون في الأسواق ويأكلون مما يأكلون ويلبسون مما يلبسون..! نعم، ظنوا أن الكمال لا يتجلى جماله في النسبي الذي يعيشونه كل لحظة!

 أن تعيش العرفان؛ يعني أن تكتشف جبل عَرفاتِك (=المكان) ويوم عِرفانِك (=الزمان). نعم أليست جل «معارف» علوم الكوزومولوجيا والفيزياء الكونية…تستهدف وعيا مبطنا بـالمكان؟. أليست جل «معارف» علوم الأناسيات والنفسيات… تستهدف وعيا مبطنا بالزمان؟

أن تعيش عِرفانَ عَرَفة كل يوم؛ يعني أن تكون عاشقا للمعرفة في محراب الحياة؛ وما إفراد يوم عرفة إلا رمزية تلفت الوجدان الإنساني لهذه الحقيقة. برأيي.

أن «تصوم» في يوم عرفانِك الزماني؛ يعني أن تكابد وتكافح كل عمرك صائما عن كل جهل.. عن كل تراخي.. وذبول. حتى تصل إلى مكان عَرفاتِك(= وهناك حيث التمكن في المكان العرفاني لا صوم على الحقيقة)!.

أليست الحياة تستحق الحياة.. بمعرفة وعرفان؟!

———

* كتب هذا المقال في ‏ 10/03/2014م – يوم عرفة/‏ ذو الحجة‏/ 1435هـ.

مشاركة هذه التدوينة
Email this to someone
email
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Print this page
Print
تقييم المقالة
1 (لا توجد تقييمات حتى الان)
Loading...
قد يعجبك أيضًا
البيان القرآني
أيُّ مُسْتَقْبَلٍ لِلإسْلاَمِ فِيِ اسْتِبْعَادِ العُلُوُمِ النَّظَرِيَّة؟!
فلسفة الحياة اليومية(1) اختيار المعارك
تعليق واحد

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني